وباعتبار خلقه مقدّر * وبارئ وصانع مصوّر
شرح
ثمّ إذ قد عرفت ذلك كلّه انقدح لك الفرق بين الصنفين من صفاته العليا بوجوه :
أحدها : القدم والحدوث .
وثانيها : العينية والغيرية .
وثالثها : الاستناد إلى نفس الذات المقدّسة بلا واسطة ، والاستناد إليها بواسطة
فعل من أفعاله الجميلة .
ورابعها : التأصّل وعدمه ، فالأوّل من كلّ تلك الوجوه مختصّ بصفات الذات ،
والثاني من كلّ منها مختصّ بصفات الأفعال .
ثمّ لو تردّد الأمر في صفة له تعالى بين كونها من أيّ الصنفين ، فمن الممكن
تمييزها بأحد الأمرين :
أوّلهما : جواز تعليقها على المشيئة وغيرها وعدم جواز ذلك ، فما لم يصحّ
ذلك فيه فهو ذاتي له تعالى ، نظير صفة العلم والقدرة والحياة وأمثالها ، فإنّه لا يصحّ
أن يقال : إنّه تعالى عالم إن شاء الله . وكذا في قرينيه . وما صحّ فيه ذلك فهو صفة
فعله ، نظير صفة الخالق والرازق وأمثالهما ، فإنّه لا مانع من تعليقها على المشيئة
وغيرها كما هو واضح .
وثانيهما : جواز توصيفه تعالى بنفس الصفة وضدّها ولو أحياناً بالإضافة إلى
متعلّقين ، وعدم جواز ذلك ، فما لم يصحّ فيه ذلك فهو الصفة الذاتية ، كما في أمثلة
العلم وقرينيه وأمثالها ، فإنّه سبحانه يجلّ عن التوصيف بأضدادها ، وما صحّ فيه
ذلك فهو صفة فعله ، فإنّه يصحّ القول بأنّه خالق لكذا ، وغير خالق لكذا ، أو أنّه
رازق لفلان ولداً مثلا ، وغير رازق لفلان مثله .
وعليه فحيث أنّ أفعاله تعالى حادثة متجدّدة ، فكذا الأوصاف الّتي تنسب إليه
سبحانه بسبب حدوث تلك الأفعال منه لا بسبب ذاته العليا فقط ، فإنّ جميعها
حادثة ، فهو جلّ وعلا باعتبار إحيائه زيداً مثلا يوصف بالمحيي ، وباعتبار إماتته
عمراً يوصف بالمميت . « وباعتبار خلقه » الكائنات يوصف بالخالق ، وباعتبار