شرح
ويقابل ذلك ما يسمّى بالحمل الشائع الصناعي ، المبتني على وحدتهما
وجوداً وخارجاً ، مع اختلافهما في الماهيّة والحقيقة ، كقولنا : زيد عالم مثلا ، فإنّ
وصف العالم وحقيقته مغاير لحقيقة زيد وماهيّته بالضرورة .
وهذا بخلاف ما لو حمل الوصف المذكور وأمثاله من ذاتياته تعالى عليه
سبحانه ، فإنّ ذلك كلّه حمل ذاتي حقيقي لمكان العينية بينهما ، واستحالة تقدير
انسلاخ الذات المقدّسة عن شيء منها ، فإنّ ذلك بمنزلة انسلاخ الذات عن نفسها
وعن حقيقتها وعن ماهيّتها .
ثمّ لا يذهب عليك أنّ تلك الصفات الذاتية له تعالى وإن كانت كثيرة ، ولكن
جميعها ينبعث من أُصول ثلاثة ، وهي العلم والقدرة والحياة .
بل يمكن القول بانحصار أُصولها في الأُوليين منها فقط بالاستغناء عن ذكر
الثالثة ، بعد وضوح ملازمتهما لها .
والأمر هيّن بعد ما عرفت من عينية الجميع له تعالى على ما أُشير إليه في قوله سبحانه :
( أيّاً مّا تدعوا فله الأسماء الحسنى ) ( 1 ) ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) ( 2 ) هذا .
وأمّا صفات أفعاله الجميلة ، فهي تقابل تلك الصفات العليا وتخالفها من وجوه :
أحدها : أنّها أُمور اعتبارية لا تأصّل لها أصلا ، بل هي عناوين إضافية ينتزعها
العقل من أفعاله تعالى ، الحادثة شيئاً فشيئاً ، نظير صفة الخالقية والرازقية مثلا ، فإنّ
العقل يعتبرهما صفتين له سبحانه باعتبار خلقه وإيجاده فلاناً ، ورزقه وإطعامه فلاناً .
فكلّ منها أمر إضافي منتزع من طرفيه المتضايفين ، وليس لها وجود منحاز
ولا مفهوم مستقلّ عن طرفيه ، لا في الذهن ، ولا في الخارج ، كما في سائر الأُمور
الاعتبارية ، نظير الأُبوّة والبنوّة بين الابن ووالده ، والزوجية بين الزوجين ،
والفوقية والتحتية .
والأُخوّة وأمثالها من الأُمور الإضافية الّتي يكون وجودها بوجود طرفيها ،
وتنعدم بانعدام أحدهما أو كليهما .
هامش
( 1 ) الإسراء : 110 .
( 2 ) الأعراف : 180 .