تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
ومن يرى أنّ البقاء زائد * على الوجود للوجوب جاحد
شرح
وقد تصافق الكلّ على كلّ ذلك بعد الحكم الجزمي من العقل بذلك ، فإنّ حكمه الاستقلالي غير قابل للانثلام ، ولا الاختصاص بصفة دون صفة ؛ ولذلك لم يخالف في شيء من ذلك أحد من ذي مسكة وشعور . نعم الأشعري الفارغ منهما خالف في صفة البقاء خاصّة ، وزعم الفرق بينها وبين سائر صفات الكمال والجمال ، بعد اعترافه بقدم الذات المقدّسة وعينية الصفات المتأصّلة لها كما ذكرنا بمقتضى البرهان العقلي الساري في الجميع ، وذهب إلى مغايرة البقاء للذات وزيادته عليها دون أخواته من صفات الكمال . وقد استند في ذلك إلى أوهام لفّقها ستسمعها عند بيان الصفات السلبيّة مقرونة بنقضها إن شاء الله تعالى ( 1 ) . ثمّ اتّسع الخرق بين أتباعه ، وذهب كثير من أذنابه إلى مغايرة كثير من ذاتيّاته تعالى لذاته المقدّسة ، وسيتّضح لك فسادها من وجوه عديدة إن شاء الله تعالى ، فانتظر . « و » يتحصّل من كلّ ذلك أنّ « من يرى أنّ البقاء زائد » فيه تعالى « على الوجود » الثابت له وجوباً فهو « للوجوب » المفروض له سبحانه « جاحد » وذلك خلف واضح ؛ لما عرفت من أنّ الأزليّة والأبديّة توأمان ، وكلاهما من واد واحد وتجويز انسلاخه عن إحداهما ملازم لتجويز انسلاخه عن الأُخرى منهما أيضاً . وقد انقدح من مطاوي ما ذكرنا أنّ ذاتياته العليا كالذاتي في كلّ شيء غير معلّل بشيء خارج عن ذاته ، وليس شيء منها مستنداً إلاّ إلى نفسه تعالى ، فهي بأجمعها مسبّبة عن الذات المقدّسة ، وكلّ منها يحمل عليها بالحمل الذاتي المبتني على اتّحاد المحمول والمحمول عليه في الحقيقة والماهيّة ، نظير قولنا : الإنسان حيوان ناطق ، وإن اختلفا لفظاً ومفهوماً .
هامش
( 1 ) شرح العقائد : 76 ، الملل والنحل 1 : 95 ، شرح التجريد للقوشجي : 359 .