ومن يرى أنّ البقاء زائد * على الوجود للوجوب جاحد
شرح
وقد تصافق الكلّ على كلّ ذلك بعد الحكم الجزمي من العقل بذلك ، فإنّ
حكمه الاستقلالي غير قابل للانثلام ، ولا الاختصاص بصفة دون صفة ؛ ولذلك
لم يخالف في شيء من ذلك أحد من ذي مسكة وشعور .
نعم الأشعري الفارغ منهما خالف في صفة البقاء خاصّة ، وزعم الفرق بينها
وبين سائر صفات الكمال والجمال ، بعد اعترافه بقدم الذات المقدّسة وعينية
الصفات المتأصّلة لها كما ذكرنا بمقتضى البرهان العقلي الساري في الجميع ،
وذهب إلى مغايرة البقاء للذات وزيادته عليها دون أخواته من صفات الكمال .
وقد استند في ذلك إلى أوهام لفّقها ستسمعها عند بيان الصفات السلبيّة مقرونة
بنقضها إن شاء الله تعالى ( 1 ) .
ثمّ اتّسع الخرق بين أتباعه ، وذهب كثير من أذنابه إلى مغايرة كثير من ذاتيّاته
تعالى لذاته المقدّسة ، وسيتّضح لك فسادها من وجوه عديدة إن شاء الله تعالى ،
فانتظر .
« و » يتحصّل من كلّ ذلك أنّ « من يرى أنّ البقاء زائد » فيه تعالى « على
الوجود » الثابت له وجوباً فهو « للوجوب » المفروض له سبحانه « جاحد » وذلك
خلف واضح ؛ لما عرفت من أنّ الأزليّة والأبديّة توأمان ، وكلاهما من واد واحد
وتجويز انسلاخه عن إحداهما ملازم لتجويز انسلاخه عن الأُخرى منهما أيضاً .
وقد انقدح من مطاوي ما ذكرنا أنّ ذاتياته العليا كالذاتي في كلّ شيء غير
معلّل بشيء خارج عن ذاته ، وليس شيء منها مستنداً إلاّ إلى نفسه تعالى ، فهي
بأجمعها مسبّبة عن الذات المقدّسة ، وكلّ منها يحمل عليها بالحمل الذاتي المبتني
على اتّحاد المحمول والمحمول عليه في الحقيقة والماهيّة ، نظير قولنا : الإنسان
حيوان ناطق ، وإن اختلفا لفظاً ومفهوماً .
هامش
( 1 ) شرح العقائد : 76 ، الملل والنحل 1 : 95 ، شرح التجريد للقوشجي : 359 .