شرح
ثالثها : ما نهق به بعضهم ، من أنّ استخلافه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعليّ بعد تسليمه وتسليم
كونه بمعنى النيابة المطلقة والأولويّة العظمى ، لا يلازم استمراره إلى بعد وفاة
الأصيل لو لم يقتضِ عدمه ( 1 ) باعتبار انقطاع سلطة الأصيل ، وزعامته المرادفة
لإمامته ، فيتبعه الوكيل في سقوط إمامته الناشئة عن النيابة ، ولا أقلّ من احتمال
ذلك ، فيحتاج إثبات الاستمرار إلى دليل صريح وبرهان قوي واضح ، ولا يكفي
في ذلك حديث المنزلة ، فإنّه فرع ثبوت ذلك في المنزّل عليه . وأنّ المناقشة فيه
أيضاً ومنعه بمكان من الإمكان ، فإنّه لم يعلم استمرار منصب الخلافة لهارون ( عليه السلام )
لو كان يعيش بعد أخيه موسى ( عليه السلام ) ولم يمكن إثبات ذلك إلاّ بدليل خاصّ متين ،
وإذ ليس فليس ، بل الظاهر عدمه باعتبار ظهور قوله : ( اخلفني ) في اختصاص
الخلافة عنه بحال حياته ، دون ما بعده على نحو الاستمرار .
لا يقال : إنّ انعزال النائب بموت المنوب عنه انحطاطٌ لمقامه ، ونقصٌ لشأنه ،
ربما يوجب نفور الطباع منه ، ولذلك قيل : إنّ عزل أرباب المناصب في حدّ القتل لهم .
وعليه ، فلا يمكن ذلك في المناصب الإلهيّة ، ولا يجوز منه تعالى عزل من
نصبه إلاّ عند سقوط لياقته وأهليته للمنصب ، بصدور فسق منه ، وحينئذ فاحتمال
انعزال هارون ( عليه السلام ) عن الخلافة بموت أخيه على تقدير حياته بعده موهوم فاسد ،
وذلك لمعلومية بقاء الأهلية فيه .
فإنّه يقال : إنّ ذلك فيما إذا لم يجبر نقصه بجعل منصب آخر له يكون كمنصبه ،
أو أشرف منه ، وأمّا لو ثبت له ذلك بعد عزله ، فلا حرج ولا نقص .
وحيث إنّ النبوّة كانت ثابتة لهارون ( عليه السلام ) ، وهي منصبٌ أشرف من منصب
النيابة ، فلم يكن عزله أو انعزاله بعد أخيه - لو كان يعيش بعد وفاته - حطاً في
قدره ، ولا نقصاً لشأنه ، ولم يكن فيه حظر ولا منع ، وجوازه بمكان من الإمكان ،
كما يمكن دعوى العلم بانعزاله عن الخلافة والنيابة بعد رجوع أخيه الكليم ( عليه السلام )
هامش
( 1 ) الصواعق المحرقة : 49 .