شرح
سبحانه على جميع الناس ، كما ذكرها اللغويّون ، فإذا أُخذت لا بشرط ، أمكن
اجتماعها مع النبوّة والرسالة ، وإذا أُخذت بشرط لا ، امتنع ذلك .
ويشهد لصحّة الاجتماع قوله تعالى لخليله إبراهيم ( عليه السلام ) : ( إنّي جاعلك للناس
إماماً ) ( 1 ) أي : يأتمّون بك ، ويتبعونك ، ويأخذون عنك ، وإنّما خوطب بذلك حين
كونه نبيّاً ، وقد اجتمع كلاهما في كثير من الأنبياء ( عليهم السلام ) ، وبذلك فُضّلوا على من لم
يجتمع فيه الأمران من سائر الأنبياء ( عليهم السلام ) كما قيل ( 2 ) ولعلّ إليه الإشارة بقوله
تعالى : ( ولقد فضّلنا بعض النبيّين على بعض ) ( 3 ) .
وبالجملة ، فالنبيّ بمنزلة المبلّغ عن السلطان ، والإمام بمنزلة القائد العامّ للجند ،
والمنصبان قد يحوزهما شخصٌ واحد ، وقد يحوزهما اثنان بشهادة العرف العامّ
والخاصّ أجمع ، بلا تنافر بينهما ، ولا تلازم ، وإذا اجتمع المنصبان في واحد جاز له
تفويض أحدهما إلى غيره ، ولا سيّما في غيبته وإن كان ذلك بأمر من السلطان ، أو
ترخيص منه له في ذلك .
كما فوّض الكليم ( عليه السلام ) ذلك عند غيبته إلى أخيه بقوله : ( أُخلفني في قومي )
فإنّه ( عليه السلام ) كان حاوياً للمنصبين ، باعتبار كونه نبيّاً مرسلا إلى جميع الأُمّة ، وذا كتاب
وشريعة ناسخة لما قبلها .
وأمّا أخوه هارون ( عليه السلام ) فمع كونه أكبر منه عمراً لم يكن بتلك المثابة مع كونه
مشاركاً له في النبوّة ، ولم يكن حائزاً لمنصب القيادة والإمامة ، بمعنى الأولويّة قبل
استخلاف الكليم ( عليه السلام ) إيّاه ، ولذلك وهب له أيّام غيبته تلك الرئاسة الكبرى الّتي
كانت له ، وفوّض إليه السلطة العظمى نيابةً عنه .
وهكذا الأمر في النبيّ الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجعله النيابة والخلافة لوصيّه
الأعظم ( عليه السلام ) بلا شبهة ولا ريب ؛ نزولا تحت عموم المنزلة ، وتثبيتاً لصحّة
قياسه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لوصيّه المقيس على وصيّ الكليم ( عليه السلام ) .
هامش
( 1 ) البقرة : 124 . .
( 2 ) انظر تفسير مجمع البيان ( الطبرسي ) 1 : 358 .
( 3 ) الإسراء : 55 .