وآية العموم الاستثناء * وليس في اتّصاله خفاء
فإنّ ما استثنته إلاّ قد حُذف * مكتفياً عنه بما لها رَدِف
إذ هو علّةٌ للاستثناء * فذكره سبيل الاكتفاء
شرح
« وآية العموم » فيها ما تعقّبه من « الاستثناء » فإنّه لا يصلح إلاّ مع عموم
المستثنى منه ، كما صحّ ذلك في المثالين ، بأن يقال مثلا : علمي أكثر من علمك إلاّ
في الفقه ، وعقلي أحسن من عقلك إلاّ في أمر المعيشة مثلا ، ولا ريب في ذلك أيضاً
قولا واحداً كما اعترض الخصم بذلك على نفسه .
ودعوى تأويل كلمة " إلاّ " بكلمة " لكن " وجعل ما بعدها كلاماً منقطعاً عمّا
قبلها ، تخرّصٌ بالكذب وفاسدة ؛ لكون ذلك مخالفاً للأصل ، ومنافياً لظاهر الكلام ،
فإنّه ليس مجموع الحديث لدى العارفين بأساليب الكلام إلاّ كلاماً واحداً ،
منتظماً بعضه ببعض ، متصلا ذيله بالصدر منه « وليس في اتّصاله خفاء » لدى أهل
المعرفة والفهم .
وتوهّم كون ما بعد الاستثناء أجنبيّاً عمّا قبله باعتبار أنّ نفي النبوّة بعد
الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا ارتباط له بمنازل هارون من أخيه ، المثبتة قبل " إلاّ " حتّى
يستثنى منها ، وإن سلّم إرادة العموم من المنزلة ، فلا محيص من كون " إلاّ " بمعنى
" لكن " كما ذكره الخصم ، ومعناه الاستدراك ، ولازم ذلك كون ما بعده كلاماً
مستأنفاً برأسه مستقلاًّ .
فاسد جدّاً « فإنّ ما استثنته » كلمة « إلاّ » وهو المستثنى لم يُذكر في العبارة ،
بل « قد حذف » منها « مكتفياً عنه بما » قد ذكر بعدها ، وهو قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " أنّه لا نبيّ
بعدي " الذّي « لها ردف » وبها اقترن ، وكفى به نائباً عن المحذوف ، ودليلا عليه
« إذ هو علّة للاستثناء » . ومعنى ذلك : أنّه لولا امتناع وجود نبيّ بعدي لكان عليّ
شريكاً لي في كلّ ما كان هارون شريكاً لأخيه حتّى النبوّة ، ولكن بسبب تحتّم
الخاتميّة لي في العلم الأزلي انتفت النبوّة عن عليّ .