ولا يَفُتْك ما حوى من لطف * تعداده في موجبات الضعف
شرح
ثمّ بعد كلّ ذلك لا يذهب عليك « ولا يَفُتْك ما حوى » قوله تعالى في الآية
المذكورة : ( فأنزل الله سكينته عليه ) « من لطف » بيّن في بيانه أمر الغار ، بحيث
يقتضي « تعداده في » مثالب الرجل وقدحه ، لا في مناقبه ومدحه .
فإنّه من « موجبات » الوهن له ، ومثبتات « الضعف » في إيمانه بعد التسالم
على إفراد الضمير في " عليه " الراجع إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قطعاً ، بقرينة السياق بينه
وبين الضمائر المتقدّمة عليه والمتعقّبة له في قوله تعالى : ( إلاّ تنصروه فقد نصره
الله إذ أخرجه الّذين كفروا ثاني اثنين . . . إذ يقول لصاحبه . . . وأيّده ) ( 1 ) .
وتوهّم رجوعه إلى الرجل بدعوى استغناء الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن نزول السكينة
عليه ، فاسد جدّاً ، فقد وقع التصريح بنزولها عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في قوله تعالى في نفس
السورة : ( ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) ( 2 ) .
ومثله في سورة الفتح مع تبديل " ثمّ " ب " الفاء " بقوله تعالى : ( فأنزل الله ) .
وبذلك كلّه ينقدح لك ضعف إيمان الرجل إن لم يكن خارجاً عن المؤمنين ،
باعتبار عدم نزول السكينة عليه في الآية المبحوث فيها ، مع ما عرفت ، من وقوع
التصريح في تلك الآيتين بنزولها على كافّة المؤمنين بعد نزولها على النبيّ
الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكذا التصريح في موضعين آخرين من سورة الفتح أيضاً بنزولها
على سائر المؤمنين عامّة :
أُولاهما : قوله تعالى ( هو الّذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا
إيماناً مع إيمانهم ) ( 3 ) .
وثانيتهما : قوله تعالى : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت
الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ) ( 4 ) .
هامش
( 1 ) التوبة : 40 . .
( 2 ) التوبة : 26 .
( 3 و 4 ) الفتح : 4 و 18 .