شرح
ثمّ كيف يعقل انهدام الإسلام ، وانقلاعه من أصله بفقد الرجل ؟ وقد تأسّست
قواعده ، وشيّد بناؤه بتأييد من الله عزّ وجلّ ومساعي النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيّام كفر
الخليفة وعبادته الأصنام ، وإنّ الكفيل بحماية الدين وحراسته ، والمتعهّد لرفع
مناره ، وإعلاء كلمته : هو الله جلّ وعلا ( ليظهره على الدين كلّه ولو كره
المشركون ) ( 1 ) ( ويأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون ) ( 2 ) .
وهكذا الجواب عمّا لفّقوه ، من قصد مكافاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الرجل على يده
ومنّته ، فإنّ ذلك بعد كونه أيضاً تخرّصاً بالكذب ، وتنبّئاً بالغيب ، ودعوى بلا برهان ،
يكذبه ما ورد في أحاديثهم ، من أنّ الرجل كان في الجاهليّة بغاية الفقر ( 3 ) وأنّه
عجز عن القيام بمؤنة أبيه عثمان ، المكنّى : أبو قحافة ، الّذي عمي في أواخر أيّامه ،
وترك ما كان مشتغلا به من صيد القماري والدباسي لمعيشته ، فتركه ابنه أبو بكر
من جهة فقره ، والتجأ إلى عبد الله بن جذعان من وجوه الكوفة لمعيشة نفسه ، وصار
منادياً على مائدته ( 4 ) .
وروى ابن حجر في صواعقه : أنّ أبا قحافة لمّا بلغه خبر خلافة ابنه دهش
عجباً ، وقال : هل رضي بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة ، فقيل له : نعم ، فقال : اللّهمّ
لا واضع لما رفعت ، ولا رافع لما وضعت ( 5 ) .
هذا ، مضافاً إلى ما قيل : من أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجلّ قطعاً عن كونه رهين منّة
أحد من الخلائق ، بل له الفضل الجسيم والمنّة العظمى على جميعهم ، كيف لا ؟ وقد
أيتمه الله تعالى عن أبيه ( عليه السلام ) قبل ولادته ، وكذا عن أُمّه ( عليها السلام ) في صغره ، كي لا يثبت
عليه منّة لهما فضلا عن غيرهما .
هامش
( 1 و 2 ) التوبة : 33 و 32 .
( 3 ) انظر التعجب من أغلاط العامّة ( الكراجكي ) : 50 ، الغدير 8 : 51 .
( 4 ) انظر مثالب العرب ( الكلبي ) : 48 .
( 5 ) الصواعق المحرقة : 13 ، الصوارم المهرقة ( الشهيد التستري ) : 65 ، المستدرك ( للحاكم ) 3 : 245 .