شرح
تثبت له بذلك .
وأمّا ما اختلقوه من أنّ النبيّ إنّما أخذه معه لشدّة أُنسه به أو للمحافظة له حذراً
من انهدام الإسلام بفقده ، فكلّ منهما أيضاً واضح الفساد ، بعد كونهما تخرّصاً
بالغيب بلا شاهد ولا دليل ، وكونهما دعوى بلا برهان .
وذلك لوضوح أنّ أُنسه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن إلاّ في الاختلاء بربّه تعالى ، وأنّ
نشاطه وسروره إنّما كان بصاحبه الأمين جبرئيل ( عليه السلام ) ، ولذلك كان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول
لبلال ( رضي الله عنه ) في أوقات الصلاة : " أرحنا يا بلال " ( 1 ) أي : بالأذان ، حتّى يستأنس بربّه
بالاشتغال بالصلاة ؛ تخلّصاً من وحشته من الناس واجتماعهم لديه ، وكان يقول
في دعائه وسجوده : " ارحم ذلّي بين يديك وتضرّعي إليك ووحشتي من الناس
وأُنسي بك يا كريم " ( 2 ) فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يستوحش من مجالسة عامّة الناس حتّى
خواصّ أصحابه ، فضلا عمّن خالفه في نفس تلك الليلة وعصاه في أُمور شتّى ،
على ما عرفت .
ولذلك أيضاً كان دأبه الانفراد والاختلاء بنفسه قبل البعثة في جبل " حراء " مدّة
حياته ليستأنس بعبادة ربّه تعالى ، أو يجالس صاحبه الأمين ( عليه السلام ) ، ولا ريب ظاهراً
في ازدياد ولعه وحرصه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على الأُنس بربّه والصحبة لأمين وحيه في تلك
الليلة ، وهي ليلة خروجه من وطنه ، وموعد مغادرة أهله وأحبّته خائفاً متستّراً منكسراً .
فإنّ الظاهر المقطوع به عدم رغبته في تلك الحالة وفي تلك الليلة إلى صحبة
غير الأمين جبرئيل ( عليه السلام ) ، وقد صحّ في حديث أهل البيت ( عليهم السلام ) أنّه قال له الأمين
تلك الليلة : " يا رسول الله إنّ ربّي أمرني أن أكون صاحبك في مضربك وفي الغار
الّذي تدخله إلى أن تنيخ ناقتك على باب أبي أيّوب الأنصاري " ( 3 ) أي : في المدينة .
هامش
( 1 ) فيض القدير ( المناوي ) 2 : 427 ، علل الدارقطني 4 : 121 ، تاريخ بغداد ( الخطيب
البغدادي ) 10 : 443 / 5604 .
( 2 ) فقه الرضا ( عليه السلام ) : 141 ، الكافي ( الكليني ) 3 : 327 / 21 ، مستدرك الوسائل ( النوري ) 5 :
142 / 5520 ، كلّهم عن عليّ ( عليه السلام ) .
( 3 ) الهداية الكبرى ( الخصيبي ) : 83 .