وبعد أي بُنيّ أولاك النعم * باريك هاك ما لأجلك انتظم
منظومة تحوي أُصول الدين * تميّز الغثّ من السمين
تزري بنظم اللؤلؤ المنثور * منضّداً على نحور الحور
شرح
فقال ( قدس سره ) : « وبعد أي بُنيّ » مُصغّراً لبيان الشفقة عليه على عادة العرب كما في
قول لقمان ( عليه السلام ) لابنه : ( يا بنيّ ) ( 1 ) .
ثمّ دعا له قبل تبيان مطلبه بقوله ( قدس سره ) : « أولاك النعم » أي أعطاك « باريك » ومُنشئك
جميع النعم الدنيوية ظاهرية كانت كالصحّة والسعة والدعة والجاه والعزّ والذرّية
الصالحة ، أو باطنية كالعلم والتقى والمعرفة والزهد والعبادة والمراتب السامية . وكذا
النِعم الأُخروية من الدرجات الرفيعة في الجنان ، وما أُعدّ فيها من الزخارف والآلاء
الّتي لا تبلغها الأوهام البشريّة ؛ وذلك لأنّ النعم جمع محلّى باللام يشمل الجميع .
ثمّ قال ( قدس سره ) : « هاك » أي خُذ « ما لأجلك انتظم » من المطالب الشريفة والعلوم
النفيسة ، وهي « منظومة تحوي أُصول الدين » المسمّاة علم الكلام « تميّز الغثّ »
المعيب المهزول « من السمين » الصحيح ، وبها تعرف صحّة مذهب الحقّ وأهله ،
وهم الفرقة المحقّة الاثنا عشرية ، وفساد سائر المذاهب المختلفة المختلقة .
ثمّ إنّ إطلاق أُصول الدين على مجموع الأُمور الخمسة المذكورة في هذا
العلم إطلاق شائع عُرفي ، وإن كان العدل والإمامة منها من أُصول المذهب ،
والنسبة بينهما عموم مطلق كما هو واضح .
وإنّ هذه المنظومة بحُسن انتظامها وإضاءة لآليها « تزري » أي تحتقر « بنظم
اللؤلؤ المنثور » أي المتفرّق في أصله حال كونه « منضّداً » أي مجتمعاً بعضه على
بعض « على نحور الحور » .
وفي تشبيه مطالب هذا العلم باللآلئ المنثورة ، وتشبيه نظمها بالسلك الجامع
لها ، وتشبيه الصدر الحاوي للمنظومة بنحور الحور في الإضاءة واللمعان من
هامش
( 1 ) لقمان : 13 .