حمداً مع القصور عن أدائه * كيف وحمد العبد من آلائه
شرح
ورد في بعض خُطَب المعصومين ( عليهم السلام ) ( 1 ) : " الحمد لله الّذي حمد في الكتاب نفسه " .
وأمّا الحمد المنقطع المحدود الصادر له من المخلوقين ، فهو على قدر قابليّتهم
وقصورهم ، لا على قدر استحقاقه تعالى ، وإلاّ لزم خلوّه تعالى عن الاستحقاق له
خارج الحدّ ، وفساده واضح .
وإليه الإشارة بقوله ( قدس سره ) : « وهل يُحدّ حمد ذات لا تُحدّ » فكما أنّ ذاته القُدسيّة
خارجة عن الحدود كلّها ، فكذا الحمد اللائق بشأنه جلّ وعلا . وعليه فجميع
أصناف الحمد من المخلوقين قاصرة عمّا تستوجبه الذات المقدّسة ، وإن بلغت
الغاية والنهاية في الجهد والوسع .
ولذلك قال ( قدس سره ) : « حمداً مع القصور عن أدائه » على قدر استحقاقه .
« كيف » لا « وحمد العبد » له تعالى ليس إلاّ « من آلائه » .
وذلك لوضوح أنّ العبد مهما بالغ في الشكر وبذل جهده في الحمد له تعالى ،
ازداد قصوراً وعجزاً عن تأدية حقّ سيّده ؛ حيث إنّ كلّ حمد يصدر منه فهو نعمة
جديدة من ربّه تعالى عليه ، باعتبار أنّ مُعدّاته - من صحّة البدن ، وسلامة العضو ،
وانطلاق اللسان به ، وانتباه النفس له ، وهداية القلب إليه ، وأمثال ذلك - كلّها لم تكن
إلاّ بفضله تعالى ، وإنّ كلاّ منها نعمة جديدة على العبد حين نطقه بالحمد ، وكلّ منها
يقتضي شكراً له سبحانه .
وعليه فكلّما قال العبد : " شكراً " وجب عليه شكر آخر ؛ لنعمة تمكّنه من
التلفّظ به ، وحسن توفيقه لذلك . وهكذا في الشكر على الشكر إلى ما لا نهاية له .
ولعلّ إليه الإشارة بقوله تعالى : ( وإن تعدّوا نعمت الله لا تحصوها ) ( 2 ) .
وبذلك يتّضح قصور العبد ، وعدم قدرته على تأدية حقّ مولاه بالحمد
والشكر ، كما ورد ذلك في بعض أدعية المعصومين ( عليهم السلام ) بما مضمونه : " إلهي كيف
هامش
( 1 ) الكافي 5 : 373 ح 7 عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) .
( 2 ) إبراهيم : 34 ، النحل : 18 .