تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
حمداً لك اللّهمّ كاشف الظلم * ومنشئ العالم من كتم العدم حمداً بلا عدّ وحدّ وأمَد * وهل يحدّ حمد ذات لاتُحدّ
شرح
« حمداً لك اللّهمّ كاشف الظلَم » وغير خفيّ ما فيه أيضاً من البلاغة وبراعة الاستهلال ، حيث إنّ تلك الأُصول الخمسة ممّا لا يسع الناس الجهل بها ، ولا اتّباع الظنّ فيها اجتهاداً أو تقليداً ، على خلاف الأحكام الفرعية الّتي يُكتفى فيها بالظنّ ( 1 ) والتقليد . وعليه فاتّباع الظنّ في تلك الأُصول ضلال وظُلمة لا يكشفها إلاّ ما حواه العلم المذكور من البراهين القطعية ؛ ولذلك كان توصيف الباري تعالى بكاشفيّته للظلَم إشارة إلى ما ذُكر من براعة الاستهلال . ثمّ وصفه سبحانه بقوله طاب ثراه : « ومنشئ العالم » إشارة إلى قدمه جلّ وعلا ، وحدوث ما سواه ، وإنّ ذلك من مُهمّات مباحث الكتاب . ثمّ أكد ذلك بقوله ( قدس سره ) : « من كتم العدم » تصريحاً بحدوث العالم ( 2 ) . ثمّ ليعلم أنّ كلمة " حمداً " في أوّل البيت مفعول مطلق لفعله المنويّ قبله ، وقد وصفه ( قدس سره ) بصفات ثلاث : إحداها : كونه في الكثرة خارجاً عن حدّ العدد ، بحيث لا يمكن تعداده . وثانيها : كونه خارجاً عن التحديد بالمراتب ، بحيث لا تكون له مرتبة دون مرتبة . ثالثها : كونه في التأبيد والاستمرار خارجاً عن حدّ الأمد والانتهاء ، بحيث لا يعتريه زوال ولا انقطاع . فقال ( قدس سره ) : « حمداً بلا عدّ وحدّ وأمد » والمقصود : استحقاق ذاته المقدّسة للحمد المذكور الّذي لا يمكن صدوره من غيره تعالى . وقد
هامش
( 1 ) فإنّها القدر المتيقّن المقطوع بإرادته من قوله تعالى : ( إنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً ) وقوله تعالى : ( إن هم إلاّ يظنّون ) وأمثاله ، وهي مورد هذه الآيات . ( 2 ) الكتم نقيض الإعلان . لسان العرب 12 : 506 .