شرح
قبلكم والكفّار أولياء ) ( 1 ) ولا شبهة في إرادة اتّخاذهم أحباباً وأنصاراً ، ولم يكن النهي
فيهما إلاّ عن ذلك ، لا عن اتّخاذهم أئمّة متصرّفين في الأموال والأنفس ، وعليه فلا
شبهة أيضاً بمقتضى ظهور الجمل المتعاقبة في وحدة السياق في إرادة ذلك أيضاً
من الآية الوسطى بينهما ، وهي آية الولاية ، وإلاّ لزم سقوطها وركاكتها ، باعتبار
وقوعها أجنبيّاً بين كلامين مسوقين لغرض واحد ، وكلامه تعالى منزّه عن ذلك .
والجواب أوّلا : أنّ النصرة والمحبّة من شؤون الولاية المطلقة وفرعان من
فروعها ، وليستا بقسيمين لها ، فإنّ الولاية بمعنى التصرّف في أُمور المؤمنين أمرٌ
عامٌّ شاملٌ للولاية الخاصّة بمعنى النصرة ، بل ملازم لها ، فإنّه لا يصدق كونه
متصرّفاً في أُمورهم ولا يكون وليّاً لهم ما لم يكن مهتمّاً بشؤونهم ، مجِدّاً في
نصرتهم ، وذلك في الغالب ملازم لحبّهم ، وعليه تكون الآيات الثلاث متناسبة ،
وأجزاؤها ملتئمة على خير نسق وأحسن نظام ، من غير ركاكة فيها أصلا .
وثانياً : أنّ الثابت المظنون ، بل المتيقّن المعلوم من الأحاديث المأثورة
وتفاسير الفريقين : أنّ آية الولاية نزلت منفردة من غير ارتباطها بطرفيها ، وأنّ
الغفلة والغباوة أو التغافل لمكان الحِقد والعداوة كانت ممّن رتّبها كذلك ، وهو ثالث
القوم ، لزعم تمكّنه بذلك من صرف الآية عن الوليّ المطلق الّذي نزلت فيه ، فلا
موقع لدعوى السياق .
وثالثاً : أنّ الدعوى المذكورة إنّما تصحّ مع عدم قيام القرينة على اختلاف
السياق ، وقد عرفت قيام القرائن الكثيرة ، بل البراهين الواضحة على ذلك في المقام .
ومنها : أنّ مدحه تعالى للمؤمنين والثناء عليهم في الآية المتقدّمة عليها أيضاً
بقوله سبحانه : ( يحبّهم ويحبّونه ) ( 2 ) قرينةٌ أُخرى على إرادة المحبّ من الوليّ
المذكور فيها .
والجواب : ما عرفت من الظنّ أو القطع باستقلالها يوم نزولها ، وما عرفت أيضاً
هامش
( 1 ) المائدة : 57 .
( 2 ) المائدة : 54 .