فكم مصلّ ومزكّ عاص * يجاهر الرحمن بالمعاصي
فهل ترى في مثله صلاته * تجعله الوليّ أو زكاته
وهذه الأوصاف في الآية لا * تصلح عنواناً لموضوع الولا
بل هي للعهد وللإشاره * لمن تولّى الأمر والإماره
شرح
هذا مع أنّ الصلاة والزكاة كثيراً مّا تجامع المعاصي الكثيرة « فكم مصلٍّ ومزكٍّ
عاص » لله تعالى « يجاهر الرحمن بالمعاصي » الكبيرة أو الصغيرة .
« فهل ترى في مثله » أنّ « صلاته » المشفوعة بتلك السيّئات والمعاصي
« تجعله الوليّ » على المؤمنين ؟ « أو » أنّ « زكاته » توجب له الأولويّة بهم من
أنفسهم ، كلاّ ثمّ كلاّ ! وهيهات من ذلك ثمّ هيهات !
« و » بذلك كلّه يتّضح لك وضوحاً بيّناً أنّ « هذه الأوصاف » المذكورة « في
الآية » الشريفة المثبتة للولاية الخاصّة بمعنى الأولويّة ليست عامّة ، وهي
« لا تصلح عنواناً لموضوع الولا » على نحو العموم ، كي تعمّ غير الوليّ المطلق ( عليه السلام ) .
« بل هي » بأجمعها « للعهد وللإشارة » الخارجيّة « لمن تولّى الأمر » في
الأُمّة « والإمارة » على المؤمنين في غدير خمٍّ وغيره بأمر من الله تعالى
ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كما اتّضح لك أيضاً فساد دعوى إرادة الخشوع من الركوع ، مع أنّ
إطلاقه عليه واستعماله فيه - إن صحّ - فهو على سبيل التشبيه والمجاز ، ولا يصار
إليه إلاّ مع القرينة الصارفة عن الحقيقة ، فكيف يصار إليه مع عدمها ؟ فضلا عن مثل
المقام الّذي دلّت على إرادة الحقيقة منه القرائن الكثيرة والبراهين القويّة ، فإنّ
معناه الحقيقي هو الانحناء وطأطأة الرأس ، كما ذكره أهل اللغة والحديث
بأجمعهم ، فراجع كتبهم . ومنهم الخليل حيث يقول : كلّ شيء ينكبّ لوجهه بعد أن
يُطأطئ رأسه فهو راكع ( 1 ) . وقال ابن دريد : الراكع : الّذي يكبو على وجهه ( 2 ) . ومثله
لبيد ( 3 ) وسائر فصحاء العرب وشعرائهم .
هامش
( 1 ) ترتيب كتاب العين : 325 ( ركع ) .
( 2 ) الجمهرة 2 : 770 .
( 3 ) وهو لبيد بن ربيعة العامري ، حكاه عنه في ترتيب كتاب العين : 325 ( ركع ) ولسان العرب 8 : 133 .