إذ الخشوع شأن كلّ مؤمن * سواء العليّ فيه والدنيّ
شرح
وبعبارة أُخرى : بعد ثبوت الحصر في الصفة الأُولى - وهي قوله تعالى :
( والّذين يقيمون الصلاة ) - لامحيص عن الالتزام بذلك أيضاً في الصفة الثانية ، وهي
قوله سبحانه : ( ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) وإلا لزم مضافا إلى لزوم اختلاف السياق
من غير شاهد ولا برهان - لغويّة ذكر الركوع - والعياذ بالله - إن أُريد به الخشوع .
« إذ الخشوع » في الصلاة والتوجّه إليها وإلى مشرّعها في القلب حين الاشتغال
بها « شأن كلّ مؤمن » موحّد معتقد قطعي بالمثوبة والعقوبة من ربّه تعالى « سواء
العليّ » في درجات الإيمان والكامل « فيه ، والدنيّ » الناقص عن ذلك ، فإنّ الصلاة
الظاهريّة من غير توجّه القلب وخشوعه ليست بصلاة حقيقيّة ، وإنّما هي صورة بلا
حقيقة ، وجسد بلا روح ، وعليه فذكر الصلاة المراد بها الواقعيّة قطعاً - كما في سائر
استعمالاتها في الكتاب الكريم - كان يغني عن ذكر الركوع بمعنى الخشوع .
هذا ، مع أنّه يلزم من ذلك ثبوت الولاية لكلّ مؤمن خاشع في صلاته ، وعندئذ
يلزم أحد المحذورين : إمّا لغويّة الحصر إن أُريد من الولاية : الحبّ والنصرة في
الدين ، فإنّه لا تخصيص في ذلك لمؤمن دون مؤمن ، فإنّ كلّهم مشتركون فيه ، كما
قال تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ( 1 ) وإمّا ثبوت الولاية
الخاصّة بمعنى الأولويّة بالمؤمنين من أنفسهم لعامّتهم ، كما ثبت ذلك للنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
بقوله تعالى : ( النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) ( 2 ) إن أُريد ذلك من الوليّ
المذكور فيه وكلّ منهما واضح الفساد ، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً ، وذكرنا أنّ ذلك
يستلزم خروج الأولياء عن المؤمنين المخاطبين ، وإلاّ لزم كون المضاف نفس
المضاف إليه بعينه ، وأن يكون كلّ منهم وليّ نفسه ؛ وبشاعة ذلك على كلا المعنيين
في الوليّ أوضح من أن يخفى ، ولا يخفى عليك لطف ما في الشطر الثاني من
التعبير بالعليّ والدنيّ ، فتأمّل جيّداً .
هامش
( 1 ) التوبة : 71 .
( 2 ) الأحزاب : 6 .