شرح
ثمّ بعد الغضّ عن كلّ ذلك ، وتسليم عدم إفادتها الحصر في الآيتين ؛ لقيام
قرينة صارفة لها عن ظاهرها ، هل يمكن للخصم الألدّ إنكار ظهورها في ذلك
مطلقاً في سائر استعمالاتها الخالية عن القرينة ؟ أو هل يمكن تصديق ذاك الغبيّ
المعاند للحقّ في تكذيبه لمن عرفت من علماء الفنّ والمجمعين من مهَرَةِ اللغة
والنحاة ، وشعراء العرب العرباء ، وفصحاء الفريقين في سائر استعمالاتهم
وتصريحاتهم بذلك ؟ ولا سيّما في الموارد الّتي قامت القرائن الكثيرة والبراهين
الواضحة على إفادتها الحصر ، كما في المقام على ما سيتّضح لك إن شاء الله تعالى ،
مضافاً إلى ما أُشير إليه منها .
ثانيها ( 1 ) : إنكار اختصاص الآية بعليّ ( عليه السلام ) وذلك لوجهين : أحدهما : سوق
العبارة فيها بصيغة الجمع بقوله تعالى : ( والّذين آمنوا ) وثانيهما : تعقيب ذلك بذكر
الصفات ، وهي قوله سبحانه : ( الّذين يقيمون الصلاة ) وأنّ كلاّ منهما يوجب ظهور
الموصوف في عامّة المتّصفين بها . ويشهد لذلك تسالم الفريقين على إرادة العموم
من نظائرها الواقعة في سبع آيات غيرها بقوله تعالى : ( والّذين آمنوا الّذين
يقيمون الصلاة ) .
لا يقال : إنّ إطلاق هيئة الجمع على الواحد فيما نحن فيه إنّما هو على سبيل
التعظيم لا التعميم ، كما في قوله تعالى : ( إنّا أنزلناه في ليلة القدر ) ( 2 ) ( إنّا أعطيناك
الكوثر ) ( 3 ) وأمثالهما الكثيرة ، وذلك أمر شائع في القرآن وغيره ، ولا غرابة فيه .
فإنّه يقال : نعم ، لا ينكر جواز ذلك ، ولكنّه مجازٌ لا يصار إليه إلاّ مع القرينة ،
وإنّ الأصل في الكلام حمله على الحقيقة ( 4 ) .
والجواب - بعدما سمعته من كلام الزمخشري ، وهو من أبناء نحلة المعترض
الناصب الإصبهاني الّذي هو من أذناب متأخّري القوم ، وإنّما فنّه لَحْس فضلات
من تقدّمه منهم ، وعرفت اعتراف متقدّميهم بما يوضح فساد كلامه ونقض
هامش
( 1 ) ثاني المناقشات في دلالة " إنّما وليّكم الله . . . " على الحصر .
( 2 ) القدر : 1 .
( 3 ) الكوثر : 1 .
( 4 ) التفسير الكبير 12 : 28 .