شرح
لا خلاف ظاهراً في دلالة كلمتي " ما " و " إلاّ " على الحصر اتّفاقاً من الفريقين .
والجواب عن ذلك في هذه الآية جواب عن الآية الثانية المذكورة ، هذا مع
اعتراف الرازي بنفسه بدلالة " إنّما " على الحصر في تفسير قوله تعالى : ( قل إنّما
أنا بشر مثلكم ) ( 1 ) ( 2 ) .
وأمّا الحلّ : فبأنّ المراد من الآية الأُولى هو حصر المثل المضاف إلى الحياة
الدنيا في الماء المنزل من السماء ، وهو المصرّح به في العبارة كما ترى ، لا حصر
الحياة بنفسها فيه ، وكم بينهما فرق واضح ، فإنّ تخصيص المثل بذلك معناه : أنّ كلّ
ما يقدر - مثلا - بتلك الحياة ، فهو لا محالة شبيهٌ بالماء الموصوف بكذا في سرعة
الفناء والزوال وأنّ كلّ ما لم يكن شبيهاً بالماء المذكور فهو ليس بمثل صحيح
مطابق للممثّل ، وهو الحياة الدنيا ، ومن الواضح أنّ ذلك حصرٌ حاصرٌ صحيحٌ مهما
تكثّرت الأمثال . نعم ، لو كان ظاهر العبارة ، أو صريحها حصر تنظير الحياة بنفسها
بالماء المذكور تمّ الإشكال . ولكن هيهات ما أبعد كلاّ من المعنيين عن الآخر ! وما
أوضح الفرق بينهما ! وما أبعد فهم الخصم البليد عن إدراك ذلك !
وكذا الأمر في الآية الثانية ، فإنّ المصرّح به فيها - كما ترى - هو حصر الحياة
الموصوفة بالدنيا ، وهي الحياة الدنيّة الخسيسة المصروفة في الشهوات ورذائل
الصفات ، في المشابهة باللهو واللعب ، الّلذين لا يفيدان شيئاً لمن اشتغل بهما ، فهما
لم يحملا في الآية الشريفة إلاّ على ذاك الصنف من الحياة الرذيلة خاصّة ، دون
سائر أصنافها الشاملة للحياة الطيّبة المصروفة في الطاعة والعبادة الّتي أُشير إليها
في قوله تعالى : ( فلنحيينّه حياةً طيّبة ) ( 3 ) أما ترى جعل الدنيا في العبارة صفةً
للحياة ، إفادةً للتخصيص ، وحذراً من التعميم حتّى لا يستظهر منها مطلق الحياة
الواقعة في الدنيا . وعليه فالحصر أيضاً حاصرٌ صحيح ، ولا وَقْعَ للاعتراض المذكور ،
ولا غبار على المدّعى المطلوب ، وهو دلالة " إنّما " على الحصر ، كما هو واضح .
هامش
( 1 ) الكهف : 97 . .
( 2 ) التفسير الكبير 21 : 176 .
( 3 ) النحل : 100 .