تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
شرح
لا خلاف ظاهراً في دلالة كلمتي " ما " و " إلاّ " على الحصر اتّفاقاً من الفريقين . والجواب عن ذلك في هذه الآية جواب عن الآية الثانية المذكورة ، هذا مع اعتراف الرازي بنفسه بدلالة " إنّما " على الحصر في تفسير قوله تعالى : ( قل إنّما أنا بشر مثلكم ) ( 1 ) ( 2 ) . وأمّا الحلّ : فبأنّ المراد من الآية الأُولى هو حصر المثل المضاف إلى الحياة الدنيا في الماء المنزل من السماء ، وهو المصرّح به في العبارة كما ترى ، لا حصر الحياة بنفسها فيه ، وكم بينهما فرق واضح ، فإنّ تخصيص المثل بذلك معناه : أنّ كلّ ما يقدر - مثلا - بتلك الحياة ، فهو لا محالة شبيهٌ بالماء الموصوف بكذا في سرعة الفناء والزوال وأنّ كلّ ما لم يكن شبيهاً بالماء المذكور فهو ليس بمثل صحيح مطابق للممثّل ، وهو الحياة الدنيا ، ومن الواضح أنّ ذلك حصرٌ حاصرٌ صحيحٌ مهما تكثّرت الأمثال . نعم ، لو كان ظاهر العبارة ، أو صريحها حصر تنظير الحياة بنفسها بالماء المذكور تمّ الإشكال . ولكن هيهات ما أبعد كلاّ من المعنيين عن الآخر ! وما أوضح الفرق بينهما ! وما أبعد فهم الخصم البليد عن إدراك ذلك ! وكذا الأمر في الآية الثانية ، فإنّ المصرّح به فيها - كما ترى - هو حصر الحياة الموصوفة بالدنيا ، وهي الحياة الدنيّة الخسيسة المصروفة في الشهوات ورذائل الصفات ، في المشابهة باللهو واللعب ، الّلذين لا يفيدان شيئاً لمن اشتغل بهما ، فهما لم يحملا في الآية الشريفة إلاّ على ذاك الصنف من الحياة الرذيلة خاصّة ، دون سائر أصنافها الشاملة للحياة الطيّبة المصروفة في الطاعة والعبادة الّتي أُشير إليها في قوله تعالى : ( فلنحيينّه حياةً طيّبة ) ( 3 ) أما ترى جعل الدنيا في العبارة صفةً للحياة ، إفادةً للتخصيص ، وحذراً من التعميم حتّى لا يستظهر منها مطلق الحياة الواقعة في الدنيا . وعليه فالحصر أيضاً حاصرٌ صحيح ، ولا وَقْعَ للاعتراض المذكور ، ولا غبار على المدّعى المطلوب ، وهو دلالة " إنّما " على الحصر ، كما هو واضح .
هامش
( 1 ) الكهف : 97 . . ( 2 ) التفسير الكبير 21 : 176 . ( 3 ) النحل : 100 .
نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 447 | السيد حسن الحسيني اللواساني / السيد ابراهيم اللواساني