ألم يكن من التولّي عَزَله * والأمر في زعمهم قد أهْمَلَه
ينصب من يجهل وهو يجهل * أحكام شرعه فصحّ المثل
شرح
« ألم يكن » النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سكت عن تعيين الخليفة على ما هو المشهور بين
القوم ، مع كون الرجل بمرأى منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومسمع إلى حين رحلته ، بل إنّه لم
يستأهل الرجل لشيء من الأُمور الطفيفة - على ما سمعت - من الإمامة في
الصلاة ، أو تبليغ سورة واحدة ، وأمثالهما ، و « من التولّي » والمباشرة لهما « عَزَله »
فكيف استأهله لتلك الخلافة العظمى ، والمنزلة الرفيعة العليا ؟ أم كيف يُتوهّم رضا
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بانتصابه خليفة عنه ، مع دعوى أتباع الرجل أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يوصَ
بشيء ؟ « و » أنّ « الأمر في » ذلك على « زعمهم قد أهمله » ولذلك تشبّثوا لخلافته
بالإجماع - على ما عرفته - مقروناً بنقضه ، فكيف خالف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يتأسّ
به في إيكال أمر الأُمّة من بعده إليهم ؟ وهذا قوله تعالى ينادي بمرأى ومسمع منه :
( لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة ) ( 1 ) الآية . ( أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول ) ( 2 ) وأمثال ذلك ممّا يدلّ على وجوب اتّباعه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في أقواله وأفعاله .
ثمّ إذ خالف النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) في ذلك ، فلَيتَه كان « ينصب » رجلا عالماً بكتاب الله
تعالى ومزاياه ، عارفاً بشرع النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وقضاياه ، ولم ينصب « من » كان « يجهل »
كثيراً منها ، بل أكثرها ، حتّى نادى بنفسه على المنبر ، بقوله : كلّ الناس أفقه من عمر
حتّى المخدَّرات في الحجال ، وذلك عندما أفحمته امرأة بين ملأ الجموع في مسألة
شرعيّة ، نطق بها الكتاب الكريم في آية محكمة بصراحة واضحة ، على ما سيأتيك
شرح ذلك من طرق أتباعه وأسانيد أهل نحلته إن شاء الله تعالى . « و » لكن
لا غَرْوَ ، فإنّ من نَصبه « هو » أيضاً كان « يجهل » أكثر « أحكام » النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
و « شرعه » الشريف . « فصحّ المثل » المشهور : إنّ الطيور على أمثالها تقع ، وإنّ
الجنس إلى الجنس يميل ( 3 ) .
هامش
( 1 ) الأحزاب : 21 . .
( 2 ) النساء : 59 .
( 3 ) انظر الغدير 3 : 17 .