شرح
وغَفْوة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( 1 ) . بل إنّ الثابت في أحاديث الفريقين : أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عند
ذلك أفاق من غَفوته ، وعلم بالأمر ، فبادر بالقيام بحالة مثقّلة من شدّة المرض
والضعف ، واتّكأ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على منكب عليّ ( عليه السلام ) والعبّاس ( رضي الله عنه ) ، فحملاه ، ورجلاه
تخطّان في الأرض حتّى دخل المسجد ، ولم يمهل الرجل أن يؤمّ الناس ، وأخذ
بردائه ونحّاه عن المحراب ، ثمّ جلس هو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بنفسه المقدّسة في المحراب
وصلّى بالناس جلوساً . فراجع في ذلك رواية البخاري عن عروة : أنّه قال : فوجد
رسول الله من نفسه خفّة ، فخرج إلى المحراب ( 2 ) . . . الخ .
خامسها : أنّه بعد الغضّ عن ذلك كلّه وتسليم استخلافه له في الصلاة ، نقول : إنّ
ذلك معارض باستخلافه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليّاً ( عليه السلام ) في المدينة حين خروجه منها إلى
تبوك ( 3 ) فقد تسالم الفريقان على استخلافه له ( عليه السلام ) يومئذ في كافّة أُموره ديناً
ودنياً ، ولم يثبت عزله بعد رجوعه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بل الثابت عدمه . وإنّ من الواضح أنّ
ذلك أعظم منزلة ، وأقرب إلى الاستخلاف للخلافة العظمى من الاستخلاف في
صلاة واحدة .
سادسها : أنّ استخلافه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للرجل على تقديره إنّما كان في حال شدّة
مرضه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد جوّز عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الخليفة الثاني الهجر في تلك الحالة بقوله
فيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : دعوه إنّ الرجل ليهجر ، على ما سيأتيك شرحه إن شاء الله تعالى .
ونعوذ بالله تعالى ممّا تفوّه به ! وأنّى ذلك عن استخلافه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعليّ ( عليه السلام ) في حال
تمام الصحّة ، وغاية التوجّه .
وبذلك كلّه ينقدح لك أمر أدلّة القوم على خلافة الرجل نصّاً ، وإجماعاً ، وقياساً .
هامش
( 1 ) انظر الصواعق المحرقة : 23 .
( 2 ) صحيح البخاري 1 : 174 باب من قام إلى جنب الإمام .
( 3 ) صحيح البخاري 6 : 3 غزوة تبوك ، صحيح مسلم 4 : 1871 / 72404 ، سنن ابن ماجة 1 :
42 / 115 ، مسند أحمد 1 : 175 ، الخصائص ( للنسائي ) : 92 / 56 ، تاريخ بغداد 11 :
432 / 6323 .