شرح
ذلك رضاً منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بجعل الرجل إماماً في أمر الدين ، وإذ قد رضي بذلك ، فهو
لخلافة المنتصب وإمامته في أمر الدنيا أرضى وأرغب .
وأنت خبير بفساد ذلك كلّه أصلا وفرعاً ، من وجوه :
أوّلها : فساد القياس من أساسه بإجماع الإماميّة وجمهور المعتزلة ( 1 )
والظاهريّة من أهل السنّة ( 2 ) .
ثانيها : أنّه يشترط في حجّيته لدى القائلين به تساوي العلّة المستنبطة في
المقيس والمقيس عليه من غير فارق ، ومن الواضح وجود الفارق بينهما في
المقام ، فإنّه لا يشترط في إمام الجماعة على مذهبهم شيء ممّا جعلوه شرطاً في
الخليفة : من العدالة والشجاعة والقرشيّة ، وأمثالها ممّا عرفت ، فإنّه تجوز الصلاة
عندهم خلف كلّ برّ وفاجر ( 3 ) . وعليه كيف يقاس عليها الخلافة العظمى ، والحكومة
العامّة على الأُمّة كلّها في أُمور الدين والدنيا ؟ على ما فسّرها به القوشجي في
شرح التجريد ( 4 ) وكذا غيره من محقّقيهم ( 5 ) .
ثالثها : أنّ القياس الفقهيّ إنّما يصحّ عندهم في الفروع خاصّة دون الأُصول ،
وقد عرفت ما عن البيضاوي وغيره : من تصريحهم بكون الخلافة من أهمّ مسائل
الأُصول ، فكيف يجوز التمسّك به فيها ؟
رابعها : عدم تسليم ما أسّسه من أمر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على الرجل بأن يؤمّ الناس ،
ولا نسلّم استخلافه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) له في الصلاة ، فإنّ المرويّ في الأحاديث الكثيرة : أنّ
المتصدّي للأمر لم يكن إلاّ عائشة ، فإنّها هي الّتي أمرت أباها بذلك عند أذان بلال
هامش
( 1 ) راجع معارج الأُصول : 187 ، مبادئ الوصول : 215 ، الوافية : 236 ، وراجع الإحكام
( للآمدي ) 4 : 272 ، والتبصرة ( للشيرازي ) : 424 ، والإحكام ( لابن حزم ) 7 : 929 ، وانظر
المحلّى ( أيضاً لابن حزم ) 1 : 56 .
( 2 ) انظر المحلّى 1 : 56 والإحكام 2 : 515 ، كلاهما لابن حزم .
( 3 ) انظر الأُمّ ( للشافعي ) 1 : 166 ، المجموع ( للنووي ) 4 : 253 ، نيل الأوطار 3 : 201 .
( 4 ) شرح التجريد ( للقوشجي ) : 365 .
( 5 ) كالجرجاني في شرح المواقف 8 : 345 والتفتازاني في شرح المقاصد 5 : 232 .