شرح
وذلك واضح البطلان ، ولم يتفوّه به أحد أصلا ، حتّى أنّ إمام الحنفيّة لم يوجب تعلّم
شيء من القرآن حتّى الفاتحة للصلاة ، وأفتى بكفاية أقصر آية من القرآن بعبارتها
العربيّة ، أو ترجمتها بسائر اللغات بدلا عنها ( 1 ) . ولعلّه استند في تلك الفتوى إلى
كون النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أُمّيّاً صرفاً ، وهو كما ترى ممّا يُضحك الثكلى !
هذا كلّه ، إن قيل بكون المراد في الحديث معرفة ألفاظ القرآن وكلماته . وأمّا
لو قيل بكون المراد منه معرفة معاني القرآن وحقائقه ، وتنزيله وتأويله ، وناسخه
ومنسوخه ، وعامّه وخاصّه ، ومطلقه ومقيّده ، ومجمله ومبيّنه ، وشأن نزول كلّ من
آياته ، وسائر ما حواه من الفصاحة والبلاغة ، وسائر بطونه ، فالأمر أعظم والخطب
أفظع ، فإنّه يلزم من ذلك كفر الأُمّة كلّهم ، وخلودهم في العذاب بأجمعهم ، ما عدا أفراد
يسيرة ، وهم في قلّة العدد كالشعرة البيضاء في البقرة السوداء ، بل أقلّ من ذلك ،
أعني بهم الراسخون في العلوم اللدنّيّة المتلقّاة من الوحي الإلهي ، والعلوم الربوبيّة .
وعليه فلا يكون أحدٌ مسلماً غيرهم إلى يوم القيامة ، وذلك أوضح فساداً من سابقه .
وحينئذ فلا محيص من إرادة الإمام الناطق بالحقّ ، والمفسّر للكتاب الصامت ،
والمبيّن لتأويلاته ومتشابهاته ورموزه وإشاراته ، ويشهد لذلك إضافته في
الحديث إلى كلمة " زمانه " فإنّ في ذلك ظهور واضح ، بل صراحة بيّنة في أنّ لكلّ
زمان إمام خاصّ ، يجب على أهل عصره الاعتقاد بإمامته ، والخضوع لطاعته .
وأمّا الكتاب الكريم ، فهو مقتدى لجميع المسلمين ، يجب عليهم اتّباعه إلى يوم
القيامة ، ولا يختصّ بزمان دون زمان ، أو بأُمّة دون أُمّة ، كما هو واضح .
ثمّ إنّ القوم اختلفوا بينهم أيضاً في شرائط حجّيّة الإجماع على سبيل
اختلافهم في تفسيره على ما عرفت ، فقول بأنّه يشترط في ذلك بلوغه لحدّ
التواتر ( 2 ) . وقول بشرطيّة بقاء المجمعين ، واستدامتهم على ما اتّفقوا عليه من
الرأي ، وعدم عدول أحد منهم عن رأيه المجمع عليه ( 3 ) . وقول بعدم ذلك ( 4 ) .
هامش
( 1 ) انظر مغيث الخلق ( للجويني ) : 57 .
( 2 ) البرهان ( للجويني ) 1 : 266 .
( 3 و 4 ) انظر تيسير التحرير 3 : 225 .