ولا تشبّثوا بما لا ينجع * ولا رووا حديث لا تجتمع
شرح
فالأمر أعظم ، ولا يكون الكاذب إماماً مفترض الطاعة ، ولا يرتق فتقه اعتذار بعض
الجهّال بأنّ ذلك منه مبتن على التواضع ، وهضم النفس ( 1 ) فإنّ الكذب لا يجامع
العصمة الّتي لابدّ منها في الخلافة الإلهيّة ، على ما عرفت . ثمّ بعد استقالته كيف ظلّ
منتصباً للإمارة ودعوى الخلافة ؟ وأعجب من ذلك عقدها عند وفاته لصاحبه ، كما
قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في بعض خطبه : " فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ
عقدها لآخر بعد وفاته " ( 2 ) .
وأيضاً لو كان هناك نصّ على خلافته لما تمسّك أتباعه لإثبات ذلك بإجماع
الأُمّة عليه ( 3 ) « ولا تشبّثوا » في ذلك « بما لا ينجع » أي : لا تستريح إليه النفس ولا
تفيدها شيء ، والنجعة : هي الراحة . « ولا رووا حديث لا تجتمع » أُمّتي على
الخطأ ( 4 ) مع أنّ الحديث عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم تثبت صحّته ، بل الثابت عدمها ( 5 ) .
ثمّ لو سلّمنا ذلك ، فلا نسلّم حصول الإجماع على خلافته ، بل الثابت أيضاً
عدمه ، وذلك لما عرفت من عدم إمكان تحصيل آراء الجميع جنّاً وإنساً ، شرقاً
وغرباً ، ولا سيّما بيوم أو يومين على أمر يسير ، فضلا عن الأمر الخطير ، وهو
الرئاسة العامّة والزعامة الكبرى .
ثمّ عدم إمكان جمع كلمتهم على ذلك بعد معلوميّة ما هم عليه من اختلاف
الأهواء وتشتّت الآراء وتباين الأغراض ، واختلافهم في الشعور والإدراك
والعقول والأفهام .
هامش
( 1 ) كما في شرح التجريد ( للقوشجي ) : 371 .
( 2 ) نهج البلاغة : الشقشقية ، 3 من الخطب .
( 3 ) كما في الإرشاد ( للجويني ) : 361 ، وأخبار الأوائل : 103 ، المغني ( للقاضي عبد الجبّار ) :
280 في الإمامة ، وشرح المقاصد ( للتفتازاني ) 5 : 264 .
( 4 ) المجموع ( النووي ) 10 : 42 ، الإيضاح ( ابن شاذان ) : 526 .
( 5 ) انظر تحفة الإحوذي ( للمباركفوري ) 6 : 322 .