كيف ولو كان لَما استقالا * ولم يقل فاروقهم ما قالا
شرح
الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « بنصّه لابن أبي قحافة » على ما زعمه بعض أذناب المتأخّرين
منهم ، خلافاً لأسلافهم المتقدّمين طبقاً عن طبق وعصراً بعد عصر ، فإنّهم على
اختلاف مذاهبهم وكثرة مختلقاتهم قد أجمعوا على إنكار ذلك ، كما يعلمه الخبير
بكتبهم ، والمتتبّع لمؤلّفاتهم .
ثمّ « كيف » تصحّ تلك المزعمة ؟ « و » كيف يمكن تلك الدعوى مع أنّها تلازم
القدح في الشيخين أنفسهما ؟ فإنّه « لو كان » هناك نصّ على خلافته لما جاز له
التنازل ، وخلع نفسه عنها ، و « لما استقالا » عن ذلك بقوله : أقيلوني أقيلوني فلست
بخيركم وعليّ فيكم ، على ما رواه الطبري ( 1 ) وابن حجر ( 2 ) وابن قتيبة في كتاب
الإمامة والسياسة ( 3 ) وصاحب كنز العمّال ( 4 ) وابن أبي الحديد في شرح النهج ( 5 )
ولما جاز الطعن على ما نصّ عليه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . « ولم يقل فاروقهم » وهو الثاني
« ما قالا » من أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها ، فمن عاد إلى
مثلها فاقتلوه ( * ) . فإنّ من الواضح أنّ ذلك تخطئة لخلافته ، ومنافية لتصويب
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) له ونصّه عليه . وذلك مع ما أشرنا إليه : من أنّ الاستقالة أيضاً مخالفة لله
تعالى ولرسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على التقدير المذكور . مضافاً إلى كونها اعترافاً من قائله
بعدم اللياقة لذلك ، وعندئذ يقال : إنّ اعترافه ذلك على تقدير صدقه يكون حجّةً
عليه ، ومنافياً أيضاً لتصويب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتعيينه له . وعلى تقدير كذبه في ذلك
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 446 .
( 2 ) الصواعق المحرقة : 11 .
( 3 ) الإمامة والسياسة 1 : 31 .
( 4 ) كنز العمّال 5 : 599 / 14062 و 14064 .
( 5 ) شرح نهج البلاغة ( لابن أبي الحديد ) 13 : 224 وج 17 : 164 وج 20 : 21 .
* راجع في ذلك صحيح البخاري ( 8 : 208 ) ومسند أحمد ( 1 : 55 ) والصواعق : 14 و 36 ،
وكنز العمّال ( 5 : 649 / 14137 ) وشرح النهج ( 1 : 168 و 169 وج 17 : 155 ) وتاريخي الطبري
( 2 : 446 - 450 ) وابن الأثير ( الكامل 2 : 327 ) .