ومن قضى ديونه من النبي * في الطفّ يقتدى فيا للعجب
شرح
نَعِب الغراب فقلت صح أو لا تَصح * فلقد قضيتُ من النبيّ ديوني ( 1 )
أفمثل ذلك الكفور الزنديق « و » هو « من قضى ديونه » بقتلاه من المشركين
في بدر وحنين ، وأخذ بثارهم « من النبيّ » الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) مجدّاً « في » هلاك عترته
بأرض « الطفّ » من العراق ، يزكّى أو يترحّم عليه أو « يقتدى » به إماماً وخليفة ؟
« فيا للعجب » من أقوام ينتسبون إلى الإسلام ، ثمّ يحكمون بوثاقة ذلك الزنيم
ابن العواهر ذوات الأعلام ، وجواز الترحّم عليه بعد ظهور كفره ووضوح شركه
وهم يسمعون قوله تعالى : ( ما كان للنبيّ والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو
كانوا أُولي قربى من بعد ما تبيّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم ) ( 2 ) .
وقوله سبحانه : ( ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب
الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ) ( 3 ) .
وقوله جلّ وعلا : ( والّذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) ( 4 ) .
( إنّ الّذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً *
والّذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً ) ( 5 ) .
وقوله عزّ من قائل : ( ومن يعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم خالدين فيها أبداً ) ( 6 ) .
إلى غير ذلك من محكمات الكتاب الدالّة على شدّة عذاب من هو أقلّ وزراً
وأخفّ ذنباً من ذلك اللعين بمراتب شتّى ، فكيف بمثله ؟
ولقد بالغ عالم القوم ومفسّرهم الكبير في الوقاحة ( * ) فحَكَم في كتابه
هامش
* وهو الغزالي ، فإنّه سئل عمّن يصرّح بلعن يزيد بن معاوية : هل يُحكم بفسقه أم لا ؟ وهل
يجوز الترحّم على يزيد ، أم السكوت عنه أفضل ؟ فقال : لا يجوز لعن المسلم أصلا ، ومن لعن
المسلم فهو الملعون ، ويزيد صحّ إسلامه ، وما صحّ قتله للحسين ، ولا أمره ، ولا رضاه بذلك - إلى
أن قال - : ومع هذا لو ثبت على مسلم أنّه قتل مسلماً فمذهب أهل الحقّ أنّه ليس بكافر ، والقتل
ليس بكفر ، بل هو معصية ، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة . إلى قوله : ولم يعرف أنّ قاتل
الحسين مات قبل التوبة . ثمّ قال : فإذاً لا يجوز لعن أحد ممّن مات من المسلمين ، ومن لعنه كان
فاسقاً عاصياً لله عزّوجلّ . إلى أن قال : وأمّا الترحّم على يزيد فجائز ، بل مستحبّ ، بل داخل في
قولنا : اللّهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات ، فإنّه كان مؤمناً [ 1 ] . انتهى نباحُه ، عامله الله تعالى بعَدْله
وحَشَره مع الّذي دافع عنه ، وهو الرجس الزنيم الكافر الّذي حسبه مؤمناً بزعمه ( وإن تعجب
فعجب قولهم ) [ 2 ] ولكنّ الأعجب حكمهم بإباحة دماء الشيعة الموالين لأهل بيت العصمة
والطهارة ، والمتمسّكين بمذهبهم ، المقتفين آثارهم ، المحافظين على جميع شرائع الإسلام أُصولا
وفروعاً وآداباً وأحكاماً .
كما قد صدر الحكم بذلك قريباً من عصرنا الحاضر في حلب من الشيح نوح الحنفي ،
فحكم بإباحة دماء الشيعة وأعراضهم وأموالهم ، سواء تابوا أم لم يتوبوا ، حتّى قتل منهم في البلد
من الرجال بيوم واحد أربعون ألفاً ، عدا ما نزل بهم من هتك النساء ، وذبح الأطفال الأبرياء . ( وما
نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) [ 3 ] فحشره الله مع مواليه في أسفل درك جهنّم .
ولقد أنصف التفتازاني ، وجرى الحقّ على قلمه ، حيث ذكر في أواخر كتابه شرح المقاصد
ما نصّه : إنّ ما وقع بين الصحابة من المشاجرات - على الوجه المسطور في كتب التواريخ في ألسنة
الثقاة - يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد جاوز عن طريق الحقّ ، وبلغ حدّ الظلم والفسق ، وكان
الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد وطلب المُلك والرئاسة والميل إلى اللذّات والشهوات ،
إذ ليس كلّ صحابي معصوماً ، ولا كلّ من لاقى النبيّ بالخير موسوماً . إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنّهم
بأصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد ذكروا لها محامل وتأويلات ، أو ذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا
يوجب التضليل والتفسيق ، صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة ،
سيّما المهاجرين منهم والأنصار ، المبشّرين بالثواب في دار القرار . وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم
على أهل بيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فمن الظهور بحيث لا خفاء ، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء ،
يكاد يشهد به الجماد العجماء ، وتبكي له الأرض والسماء ، وتنهدم منه الجبال وتنشقّ له
الصخور ، ويبقى سوء عملهم على كرّ الشهور ومرّ الدهور ، فلعنة الله على من باشر وأمر ورضي
وسعى ؛ ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى . فإن قيل : ومن العلماء من لم يجوّز اللعن على يزيد ، مع علمهم
بأنّه يستحقّ ما يربو ذلك ويزيد . قلنا : تحامياً على أن لا يُرتقى إلى الأعلى فالأعلى [ 4 ] انتهى .
( 1 ) انظر لواعج الأشجان ( للسيّد محسن الأمين ) : 218 ، تذكرة الخواصّ 2 : 148 ( على ما في
هامش كتاب معالم المدرستين 3 : 155 ) .
( 2 و 4 ) التوبة : 113 و 61 .
( 3 ) النساء : 93 . .
( 5 ) الأحزاب : 57 و 58 .
( 6 ) الجن : 23 .
[ 1 ] إحياء العلوم 3 : 125 .
[ 2 ] الرعد : 5 .
[ 3 ] البروج : 8 .
[ 4 ] تذكرة الخواصّ : 229 - 237 .