يحفظ ما أنزله عزّ وجلّ * وَحْيَاً ويتلو لهم كما نزل
بعينه يكشف سرّ غيبه * كأنّه المُوحى له بعينه
شرح
وأيضاً يُشترط فيه أن يكون مأموناً من السهو والنسيان ، بحيث « يحفظ » كلّ
« ما أنزله » الله - عزّوجلّ - على النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولا ينسى شيئاً ممّا أوحى
إليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « وَحيَاً ، ويتلو لهم » كلّ ذلك « كما نزل » منه تعالى ، من غير تغيير
ولا تبديل ، حال كونه ممدوداً « بعينه » تعالى - أي : بحراسته وهدايته - مأخوذٌ من
قوله سبحانه لنوح ( عليه السلام ) : ( واصنع الفلك بأعيننا ) ( 1 ) .
وفي الدعاء المأثور : " واحرسنا بعينك الّتي لا تنام " ( 2 ) .
وحاصل المعنى : أنّ الوصيّ بمرأى من ربّه تعالى وكلاءته ، أو بإلهام منه
سبحانه « يكشف سرّ غيبه » ومخزون علمه « كأنّه الموحى له » رأساً « بعينه »
وبشخصه من غير واسطة ، فيكون عنده من العلوم ما كان عند النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بتمامه
من غير زيادة ولا نقيصة . وإنّ اجتماع تلك الصفات بأجمعها في الوصيّ بعد النبيّ
الّذي هو نائب عنه في أُمّته ، وخليفة عنه في رعيّته ، ممّا يحكم بلزومه العقل السليم
بعد التسالم على لزوم اجتماعها في المنوب عنه نفسه .
وذلك ؛ لوضوح حكمه الباتّ بلزوم السنخيّة بينهما ، بحيث لو كان النائب فاقداً
لصفات المنوب عنه ، أو حاوياً لما يضادّ صفاته الحميدة لم يَجُز لدى العقلاء
استنابته ، ولا سيّما في الخلافة العظمى ، والزعامة الكبرى ، والنيابة في الأُمور
الخطيرة العامّة ، والرئاسة التامّة على كافّة الأُمّة ، فإنّ إلقاء زمامها على الناقص
وتفويض الأمر إليه مع العلم بنقصه لا يصدر إلاّ من سفيه أو مجنون أو مبغض
للرعيّة كلّها ، أو مشارك للنائب في النقص والصفات الذميمة ، وتعالى ربّنا جلّ وعلا
هامش
( 1 ) هود : 37 .
( 2 ) الصحيفة السجّاديّة ( تحقيق الأبطحي ) : 60 ، إقبال الأعمال 2 : 216 ، بحار الأنوار 83 : 309
وج 87 : 339 ، وانظر كنز العمّال 2 : 124 / 3441 وص 662 / 5014 .