شرح
واحد ، باعتبار نيابتهما عن الله تعالى في تبليغ الأحكام ووساطتهما بينه سبحانه
وبين عباده لنشر دينه .
غير أنّ النبيّ له مقام النيابة رأساً من غير وساطة بشر أصلا ، ولكن خليفته
نائب عن الله تعالى بواسطته . وبذلك ينقدح لزوم اجتماع شرائط النبوّة فيه ، وهي
ما تقدّم ذكرها : من طهارة النسب وشرافة الحسب ، ومكارم الأخلاق ، وأمثالها .
لا يقال : إنّه بعد تماميّة الحجّة بإنزال الكتاب وبعثِ الرسول وقيامه بوظائف
النبوّة بتبليغ الأحكام ، وبعد إكمال اللُطف منه تعالى بذلك ، لا موجب لنصبِ الخليفة
ولا دليل على وجوب ذلك عليه تعالى ، وذلك لمكان الاستغناء عنه بنصب الرسول وبعثه .
فإنّه يقال : إنّه حيث لم يمكن للنبيّ المبعوث إلى جميع أقطار الأرض تبليغ جميع
الأحكام إلى كافّتهم في زمنه القصير ، ولا سيّما النبيّ الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) باعتبار قلّة
أنصاره ، واتّفاق الملل المختلفة في أديانها ومشاربها على مُعاداته ، وتكثّر ابتلائه
بدفاعهم ، وتكرّر حروبه معهم ، وباعتبار خاتميّته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعدم إرسال رسول بعده
يُكمل للناس أحكامه ، ويبيّن لهم سائر ما خفي عليهم من وظائفهم في العبادات
والمعاملات والسياسات ، وخصوصاً ما يتجدّد الابتلاء بها في الأزمنة المتجدّدة ،
والأعصار المتأخّرة بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلا جرم وجب عليه تعالى نصب خليفة
لنبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يكون مثله في الحالات والكمالات وبمنزلته في العصمة والطهارة
وحسن الصفات حتّى يودع النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عنده علم تلك الأحكام الباقية أو
المتجدّدة ، وسائر وظائف النبوّة أجمع ، ليقوم بها في الآونة المتأخّرة ، فيكون
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مبلّغاً لها بالتسبيب ، والوصيّ بالمباشرة ؛ وإلى ذلك يشير كلام
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " علّمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح من كلّ باب ألف باب " ( 1 ) .
هذا ، مع أنّ ما بيّنه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منها كان كثير منها - كآيات الكتاب - مجملا
غير مبيّن تبييناً واضحاً بحيث لا يتطرّق إليه إمكان التأويل واحتمال الخلاف ،
هامش
( 1 ) دلائل الإمامة ( لمحمّد بن جرير الطبري ) : 235 ، نهج الحقّ وكشف الصدق : 240 ، بحار
الأنوار 30 : 672 .