فيكمل الدين به بنشره * إلى الأُولى لم يهتدوا في عصره
يرشدهم إلى الهدى كمثل ما * أرشدهم ولا تزلّ قدما
يفلج من حاجَجه ويرشد * إلى الرشاد كلّ من يَسترشد
شرح
وكان في جملته مطلق ومقيّد ، وعامّ وخاصّ ، وناسخ ومنسوخ ، وقد اختصّ بعض
صحابته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمعرفة بعضها دون بعض .
وبذلك وقع الخلاف بينهم في أحكامه بعد رحلته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع كونهم في قرنه
وقريبي العهد به . ولو ترك الأمر إليهم لازداد الخلاف بينهم ، واشتدّ نُفور بعضهم من
بعض ، وكثر التباعد بين الفرق المختلفة في الرأي والفهم ، وإدراك مغزى ما سمعوه
من النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وبذلك تصبح الأحكام متشتّتة مندرسة في قليل من الزمن فضلا عمّا إذا مرّت
عليها الدهور المتمادية ومئات السنين المتطاولة ، وتكثّرت رواتها المتعاقبة ،
وفيهم أصحاب الأهواء المُغوية وأُولو النفاق ، والأحاديث الموضوعة الواهية .
وإنّ ذلك كلّه ممّا يوجب عليه تعالى بمقتضى رأفته بعباده ورغبته في بقاء
شريعته أن ينصب لهم بعد نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إماماً عالماً بجميع أحكامه ، حافظاً لشريعته ،
متحذّراً عليها عن الاندراس ، حريصاً على تبليغها لبقيّة الناس .
وعليه « فيكمل الدين به بنشره » الأحكام وإبلاغه لها « إلى الأُولى » أي :
الّذين « لم يهتدوا » إليها في حياة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) و « في عصره » من جهة بُعدهم عنه
وعدم تشرّفهم بمحضره ، أو من جهة عدم إدراكهم أيّامه .
فالوصيّ ( عليه السلام ) « يرشدهم إلى الهدى ، كمثل ما » كان النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حياته
« أرشدهم » حذو النعل بالنعل في التبليغ والعلم ومكارم الصفات « ولا تزلّ قدَماً »
عن الحقّ ؛ للجهل أو السهو أو العصيان .
و « يفلج » أي : يغلب « من حاججه » بالباطل . « ويرشد » الناس إلى الحقائق ،
ويهدي « إلى الرشاد » والفلاح « كلّ من يسترشد » .