شرح
غيره فائقاً عليه في شيء منها ، فإنّه أقبح وأشنع ؛ لكونه موجباً لترجيح المرجوح
على الراجح ، وذلك ممّا لا يرضى به من كان له أدنى حسّ وشعور ، وإن كان
الأشعري المنعزل عنهما قد جوّزه ، ثمّ بالغ في الوقاحة حتّى نسب ذلك إليه تعالى .
وبالجملة ، لا محيص بضرورة حكم العقل - فضلا عن متواتر النقل ، وإجماع
أهل الحقّ - عن القول بوجوب كون خليفة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ونائبه الحاوي لتلك
الشرائط مجعولا من قبله تعالى ، على نحو جعله النبيّ وإرساله الرسول ، بعد ما
عرفت من كونهما من واد واحد . وقد نطق بذلك صريح قوله تعالى : ( الله يصطفي
من الملائكة رسلا ومن الناس ) ( 1 ) .
كما لا محيص عن وجوب وجوده في كلّ عصر وزمان ، بحيث لو فقد السابق
يَجعل بدله مَن هو مثله ، أو أحسن منه في جميع الخصال والصفات ، ولعلّ إليه
الإشارة بقوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) ( 2 ) .
ولا يجوز خلوّ أقلّ الأزمنة من مثله ، وذلك لاستحالة انقطاع لطفه تعالى
الموجب لجعله .
وربما يؤيّد ما ذكرنا - من وجوب كون الجاعل للخليفة والإمام منحصراً فيه
تعالى - ظواهر آيات نسب فيها الجعل إليه سبحانه ، نحو قوله تعالى للملائكة :
( إنّي جاعل في الأرض خليفة ) ( 3 ) . وقوله جلّ وعلا للخليل ( عليه السلام ) : ( إنّي جاعلك
للناس إماماً ) ( 4 ) ولداود ( عليه السلام ) : ( يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض ) ( 5 ) وفي
الكليم ( عليه السلام ) : ( وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً ) ( 6 ) بعد طلب الكليم ( عليه السلام ) ذلك منه
تعالى بقوله : ( واجعل لي وزيراً من أهلي ) ( 7 ) .
وبذلك كلّه ينقدح لك انحصار الإمامة بعد النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتعيّن الخلافة
هامش
( 1 ) الحج : 75 .
( 2 و 3 و 4 ) البقرة : 106 و 30 و 124 .
( 5 ) سورة ص : 26 . .
( 6 ) الفرقان : 35 .
( 7 ) طه : 29 .