والطعن في النسخ لكونه بدا * وهو محال فمن الجهل بدا
فإنّه تغيير حكم نفدا * صلاحه فلا يقاس بالبدا
شرح
وعليه فلا مانع من تبدّل الحكم الناشئ عن المصلحة السابقة بعد تغيّرها
بانتهاء المدّة ، أو بحدوث المزاحمة ، بل ربما يستتبع بقاء الحكم السابق بعد أحد
الأمرين مفسدة عظيمة يقبح الرضا بها من الحكم العدل .
ثانيتها : أنّ النسخ مساوق للبداء المتفرّع من الندامة ، وكلاهما من واد واحد
إن لم نقل فيهما بالعينية ؛ فإنّ كلاّ منهما سبب لتغيّر الحكم ، وذلك لا يكون إلاّ مسبّباً
عن ظهور الخطأ في الحكم السابق . ومن الواضح استحالة ذلك فيه تعالى ، فلا يعقل
منه النسخ أصلا .
« و » الجواب : أنّ « الطعن في النسخ لكونه بدا » قبيحاً « وهو محال » فيه
تعالى ، إنّما نشأ من عدم المعرفة بالمعنى الآخر للبداء « فمن الجهل » بمعناه الثاني
« بدا » اعتراضهم .
فإنّ الصحيح أنّه على قسمين :
أحدهما : ما ذكر وهو المسبّب عن ظهور الخطأ ، والملازم للذمّ . وأنّ امتناع
ذلك عليه تعالى من المتسالم عليه .
ثانيهما : ما أشرنا إليه ، وهو المسبّب عن أحد الأمرين المذكورين . وقد عرفت
أنّ تبدّل الحكم بسبب أحدهما ممّا لا قبح فيه أصلا ، بل ربما يكون القبح في ترك
ذلك . أما ترى أنّ مصلحة الحجامة مثلا المحدودة بفوران الدم تنتهي بزواله ،
وتكون الحجامة بعد ذلك ذات مفسدة قبيحة . ونظائر ذلك كثيرة .
ويقال بمثل ذلك في الأحكام الشرعية المسبّبة عن المصالح الواقعية ؛ فإنّه لا
شبهة في إمكان تبدّلها بتبدّل الأعصار ، أو باختلاف حالات المكلّفين . وهذا هو
المراد من النسخ المدّعى في المقام « فإنّه تغيير حكم نفدا » وقته ، وانتهى
« صلاحه » وهو المعبّر عنه بإظهار ما خفي على المكلّفين .