شرح
وخضعت له جبابرة الملوك ، وطوّقت له بنير المذلّة رقاب فراعنة الطواغيت حتّى
أتوه حبواً صاغرين ، ودخلت في دينه أفواج قبائل المستكبرين ونزل عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم )
قوله تعالى : ( ورأيت الناس يدخلون في دين أفواجاً . . . إلخ ) ( 1 ) .
وكفى له بذلك معجزة وكرامة تغني أرباب البصيرة عن سائر معاجزه الشريفة
على ما تأتي الإشارة إليها إن شاء الله تعالى .
وبالجملة لا شبهة أنّ شريعته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أفضل من الشرائع السابقة كلّها ، وأنّ كتابه
الكريم ناسخ لكتب الأنبياء المتقدّمة ( عليهم السلام ) جميعها ( وإنّه لكتاب عزيز * لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ( 2 ) ناسخ غير منسوخ ،
وفاضل غير مفضول .
ولا يُصغى لما نبح به اليهود وتبعهم بعض أهل الضلال من القدح في النسخ
إثباتاً لدوام شريعة الكليم ( عليه السلام ) ، وإبطالا لشريعتي الإنجيل والقرآن ، ولفّقوا لذلك
شبهات واهية .
إحداها : أنّ المنسوخ حين تعلّق الأمر به قديماً لا يخلو من كون الأمر به إمّا
عن مصلحة كامنة فيه أو لا .
فعلى الأوّل يقبح نسخه .
وعلى الثاني يلزم كون الأمر به قبيحاً ، لخلوّه عن المصلحة ، فضلا عن تقدير
احتوائه للمفسدة .
والجواب : اختيار الشقّ الأوّل ، ونقول في نقض الاعتراض : إنّ وجود
المصلحة قديماً لا يلازم دوامها . ولا غرو في كونها محدودة بزمن خاصّ ، أو بعدم
حدوث مفسدة قويّة مزاحمة لها كما يشاهد ذلك في كثير من أحكام الملوك
الموقّتة إلى وقت خاصّ ، أو المحدودة بعدم حدوث مزاحم أقوى من المصلحة
الكامنة في المأمور به .
هامش
( 1 ) النصر : 2 .
( 2 ) فصّلت : 41 و 42 .