إذ سدّ ما من بخت نصّر صدر * عليهم باب تواتر الخبر
شرح
« إذ سدّ » عليهم باب العلم « ما » وقع بهم من « بخت نصّر » وما « صدر » منه فيهم
من قتل رجالهم وذبح أطفالهم ، حتّى أباد نسلهم ، وقطع دابرهم ، وأحرق كتابهم ،
فإنّ ذلك أغلق « عليهم باب » دعوى « تواتر الخبر » المذكور ، بل سائر ما يروونه
في توراتهم أو غيرها ؛ فإنّه لم يبق منهم بعد تلك الوقعة إلاّ شواذّ قليلة من النساء
والبلهاء والقصّار الضعفاء الّذين تواروا منهزمين في أقطار الأرض متفرّقين كما
يعرفه المتتبّع في التواريخ .
فأين من يقوم به الإجماع منهم أو التواتر المفيد للقطع ، بل أقلّ من ذلك .
ثمّ لو سلّمنا صحّة الحديث سنداً ، فهو مخدوش من حيث الدلالة على
مطلوبهم ، فإنّه حسب السنّة الجارية في كتابهم ليس فيه تصريح بالتأبيد الأبدي
إلى آخر الدهر ؛ فإنّه قد ذكر فيه التأبيد في مواضع شتّى لغير الدوام الأبدي .
فمنها : ما جاء فيه أنّ العبد يستخدم ستّ سنين ، ثمّ يعرض عليه العتق في
السابعة ، فإن أبى ثقب أُذنه واستخدم أبداً .
ثمّ ذكر في موضع آخر منه : أنّه يستخدم خمسين سنة .
وعليه فلا محيص من حمل التأبيد فيه على المدّة المذكورة فقط ؛ دفعاً
للتهافت ، وحذراً من النسخ المستنكر لديهم .
ومنها : ما جاء فيه أيضاً أنّ ذبح البقرة الّذي أُمروا به في عصر الكليم ( عليه السلام ) يلزم
أن يكون لهم سنّة أبداً . ثمّ تراهم قد انقطع تعبّدهم به ، ولم يستمرّوا عليه بدعوى
عدم دلالة ذلك على الاستمرار الأبدي .
ومنها : ما جاء فيه أيضاً أنّ الله قال لهم : " قرّبوا إليَّ كلّ يوم خروفين : خروف
غدوة وخروف عشيّة بين المغارب قرباناً دائماً لاحقاً بكم إلى آخره " .
وتراهم أيضاً قد تركوا التعبّد به بدعوى أنّ الدوام المذكور إنّما أُريد به مدّة
محدودة إلى غير ذلك ممّا لا يحتمله المقام ، وإنّما يجده المتتبّع فيه .
ثمّ بعد الغضّ عن كلّ ذلك لم تكن دلالته على مطلوبهم إلاّ بظهور ضعيف