واستقبلوا أُعل هبل أُعل هبل * بقولهم الله أعلا وأجل
وفرّقوا جيوشهم أيدي سبا * وغادروهم بين قتل وسبى
شرح
يخاطبون صنمهم الأكبر هبل ويهنّؤونه بالغلبة وعلوّ الشأن .
حتّى تقدّم إليهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بمن معه من المسلمين « واستقبلوا » قولهم
« أُعل هبل أُعل هبل » وأجبهوهم بالردّ عليهم « بقولهم الله أعلا وأجل » .
ثمّ هجموا على جموع المشركين بكلّ نشاط واستقامة ، هجمة رجل واحد
« وفرّقوا جيوشهم » على نحو تفرّق « أيدي سبا » أي أقوياء آل سبأ ، وكانوا قبيلة
من العرب منتسبين إلى جدّهم الأعلى وهو سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان
يضرب بهم المثل في التفرّق والتشتّت ( 1 ) .
« وغادروهم » أي تركوهم قسمين « بين قتل وسبى » بمعنى المقتول والمسبي .
هامش
( 1 ) وكان من قصّتهم أنّ طائفة منهم سكنوا مدينة مازن ، وكانت من قبل عاصمة سلطنة
بلقيس ، وسمّيت سبأ بسكون القوم فيها ، وكان بينها وبين عاصمة بلاد اليمن وهي مدينة صنعاء
مسيرة ثلاث ليال ، وكان مجموع بلاد اليمن يومئذ ثلاثة عشر مدينة ، وكان كلّها مملوءة من آل
سبأ ، وكان أعظمها مدينة سبأ بكثرة النعم والخصب والرخاء ، وفيها مئات الأُلوف من القوم ، ولهم
فيها جنّتان عن يمين وشمال يسير الراكب فيهما مسيرة عشرة أيّام لا يرى فيها الشمس لكثرة ما
فيهما من الزرع والأشجار والفواكه والأثمار ، وكانت المرأة تمشي تحتهما والطبق على رأسها
فيمتلأ الطبق من أنواع الفواكه من غير تعب الاقتطاف ، وكان للقوم سدّ على خليج بحرهم قد بناه
الجنّ لسليمان ( عليه السلام ) من الصخور العظيمة ، ولما طغوا على ربّهم تعالى اغتراراً بالنعم الوافرة بعث
الله تعالى على سدّهم فيراناً كباراً قلعت صخوره حتّى غشيهم السيل ، فغرقت بلادهم ، وانقلعت
أشجارهم إلاّ الشاذّ القليل منها ممّا لا ينفع ولا تثمر كشجرة السدر وأُمّ غيلان وأثل وهما
شجرتان كريهتان ، وقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله سبحانه : ( لقد كان لسباء في مسكنهم آية
جنّتان عن يمين وشمال - إلى قوله تعالى : - فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدّلناهم
بجنّتيهم جنّتين ذواتي أُكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل . . . إلخ ) وغرق منهم من غرق
وتفرّق الباقون منهزمين ، وتواروا في أقطار الأرض ، وصاروا مثلا لمن بعدهم من الجموع ، ومنهم
جنود المشركين الّذين هزمهم المسلمون ، وفي طليعتهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .