ولم يسافر غير مرّتين في * تجارة في وقتها الموظّف
فمثله من مثله برهان * يهدي به إن أنصف الإنسان
وليس يغشى نفسه شيطانها * ولا يغشّ عينه إنسانها
شرح
« ولم يسافر » عن مكّة المكرّمة « غير مرّتين في » تمام تلك المدّة إلى
« تجارة في وقتها الموظّف » ولم يستقم فيهما إلاّ أيّاماً قليلة .
إحداهما : أيّام صباوته ، وكان له من العمر يومئذ نحواً من عشر سنين ، خرج
إلى الشام مع عمّه أبي طالب ( عليه السلام ) ولم يُقم فيها إلاّ ثلاثة أيّام فقط .
وثانيتهما : أيّام شبوبيّته ، وكان له ( صلى الله عليه وآله ) يومئذ من العمر خمس وعشرون سنة في
تجارة لخديجة ( عليها السلام ) من غير إقامته فيها ، ولا تأخّر في الرجوع عن الرفقة على ما أثبتته
التواريخ ، وذكرنا شرح ذلك في الجزء الأوّل من كتابنا " تاريخ النبيّ أحمد ( صلى الله عليه وآله ) " .
ولعمرو الحقّ لو لم يكن له من الآيات والمعاجز إلاّ نفس هذا الكتاب الكريم
والفرقان العظيم ؛ لكفى به برهاناً واضحاً لنبوّته ، وشاهد صدق لبعثته . وكون كتابه
ذلك وحياً منزلا عليه من ربّه تعالى .
كيف لا وقد خضعت له سلاطين الفصاحة ، وملوك البلاغة ، وطواغيت
الفراعنة ، وجبابرة العرب العرباء ، ووجوه أكابر الأُدباء . واعترف الكلّ بامتيازه
عن غيره من الكتب كافّة من وجوه شتّى كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم .
مضافاً إلى ما عرفت أيضاً من احتوائه لجميع ما تحتاج إليه طبقات الخلائق
في أقطار الأرض وآفاق البلاد ، وموافقته لمصالح عموم العباد أبد الدهر على
اختلاف عاداتهم ، وتباين طبائعهم ، وتشتّت أهوائهم .
ولا تبلى طول الدهور أحكامه ، ولا تخلق سننه ، ولا يخمد نوره ، ولا ينسخ ما فيه .
« فمثله من مثله » وهو أُمّي صرف كما عرفت « برهان » عظيم على نبوّته
« يهدي به إن أنصف الإنسان » ولم ينظر إليه بعين الحقد والحسد .
« وليس يغشى نفسه » العاقلة ، أي لا يغطّيها « شيطانها » بغطاء الوساوس