تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
ولم يسافر غير مرّتين في * تجارة في وقتها الموظّف فمثله من مثله برهان * يهدي به إن أنصف الإنسان وليس يغشى نفسه شيطانها * ولا يغشّ عينه إنسانها
شرح
« ولم يسافر » عن مكّة المكرّمة « غير مرّتين في » تمام تلك المدّة إلى « تجارة في وقتها الموظّف » ولم يستقم فيهما إلاّ أيّاماً قليلة . إحداهما : أيّام صباوته ، وكان له من العمر يومئذ نحواً من عشر سنين ، خرج إلى الشام مع عمّه أبي طالب ( عليه السلام ) ولم يُقم فيها إلاّ ثلاثة أيّام فقط . وثانيتهما : أيّام شبوبيّته ، وكان له ( صلى الله عليه وآله ) يومئذ من العمر خمس وعشرون سنة في تجارة لخديجة ( عليها السلام ) من غير إقامته فيها ، ولا تأخّر في الرجوع عن الرفقة على ما أثبتته التواريخ ، وذكرنا شرح ذلك في الجزء الأوّل من كتابنا " تاريخ النبيّ أحمد ( صلى الله عليه وآله ) " . ولعمرو الحقّ لو لم يكن له من الآيات والمعاجز إلاّ نفس هذا الكتاب الكريم والفرقان العظيم ؛ لكفى به برهاناً واضحاً لنبوّته ، وشاهد صدق لبعثته . وكون كتابه ذلك وحياً منزلا عليه من ربّه تعالى . كيف لا وقد خضعت له سلاطين الفصاحة ، وملوك البلاغة ، وطواغيت الفراعنة ، وجبابرة العرب العرباء ، ووجوه أكابر الأُدباء . واعترف الكلّ بامتيازه عن غيره من الكتب كافّة من وجوه شتّى كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم . مضافاً إلى ما عرفت أيضاً من احتوائه لجميع ما تحتاج إليه طبقات الخلائق في أقطار الأرض وآفاق البلاد ، وموافقته لمصالح عموم العباد أبد الدهر على اختلاف عاداتهم ، وتباين طبائعهم ، وتشتّت أهوائهم . ولا تبلى طول الدهور أحكامه ، ولا تخلق سننه ، ولا يخمد نوره ، ولا ينسخ ما فيه . « فمثله من مثله » وهو أُمّي صرف كما عرفت « برهان » عظيم على نبوّته « يهدي به إن أنصف الإنسان » ولم ينظر إليه بعين الحقد والحسد . « وليس يغشى نفسه » العاقلة ، أي لا يغطّيها « شيطانها » بغطاء الوساوس