ذكر حوى من العلوم العالية * وذكر أحوال القرون الخالية
فيه من الحكمة أصلها وفي * علم السلوك ما بلبه يفي
كم ضربت فيه من الأمثال * عديمة المثيل والمثال
شرح
وهي آية واحدة .
وقس عليها سائر ما في الكتاب العزيز : فإنّه « ذِكْر حوى من العلوم العالية »
الرفيعة الشؤون « وذِكر أحوال القرون الخالية » أي الماضية الهالكة ما لم يطّلع
عليه إلاّ شواذّ من خواصّ أحبار اليهود ، وكانوا متكتّمين بها متفاخرين بدرايتها .
" ثمّ " لا يذهب عليك حسن تكرار لفظ الذكر في الشطرين بإرادة اسم
المصدر من الأوّل منهما على سبيل قوله تعالى : ( وإنّه لذكر لك ولقومك ) ( 1 ) ( إنّا
نحن نزّلنا الذكر ) ( 2 ) إلى آخره ، وإرادة المعنى المصدري من الثاني منهما .
ثمّ تأمّل في هذا الذكر الحكيم تجد « فيه من الحكمة » النظرية والعملية
« أصلها » وأساسها « وفي » دراية السير و « علم السلوك » في مدارج استكمال
النفس ونيلها حقائق المعارف وبلوغها إلى مرتبة حقّ اليقين « ما بلبّه » وخالصه
عن شوب الأوهام الفاسدة والأخيلة الواهية « يفي » ويكفيك عن الزيع والضلال ،
وعن اتّباع مذاهب أهل النار .
مضافاً إلى كونها حاوياً للسياسة الدنيوية حفظاً للنواميس والفروج المحرّمة ،
وحقناً للدماء المحترمة ، وسائر ما تحتاج إليه العباد من أصناف المعاملات
وأبواب الحدود والديات . فلم يهمل فيه شيء ممّا يلزمهم ، أو يفيدهم في دينهم ، أو
ينفعهم في معايشهم ونظام الأمن فيهم .
أو ما هو جامع لهم الأمرين ، وفيه لهم خير النشأتين ، كدفع الحقوق الواجبة
من الزكاة والخمس والكفّارات الجالبة للاجتماع والأُنس .
« كم ضربت فيه من الأمثال » الصحيحة الواضحة استجلاباً للتوحيد ، كقوله
هامش
( 1 ) الزخرف : 44 .
( 2 ) الحجر : 9 .