وكم حوى مغيباً من الخبر * ما بين واقع وبين منتظر
أتى به الأُمّي في أُمّ القرى * وما لوفد العلم فيه من قرى
شرح
بظلمة الكفر بعده . كما أنّ من تعب في سبيل الاستضاءة بالنار تذهب أتعابه بعد
خمودها سدى إلى غير ذلك ممّا ضرب به المثل مع غاية البلاغة في التعبير ، ونهاية
التطابق للممثل في حسن التشبيه من وجوه شتّى يعرفها أهل الفنّ بالتدبّر والتأمّل .
« وكم حوى مغيباً من الخبر » على ما أشرنا إليه « ما بين » خبر « واقع » قديماً
« وبين منتظر » في المستقبل قد « أتى به » ذلك النبيّ « الأُمّي » الأعظم الّذي علم
الكلّ تاريخ حياته من أنّه لم يمارس شيئاً من مدارس العلوم طيلة عمره ، ولم
يعاشر قط أحداً من علماء الأديان ، ولا الأحبار والرهبان والكهنة ، ولا السحرة .
وكان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب ، ولم يراجع شيئاً من الكتب ، ولم يزل قبل
بعثته مقيماً « في أُمّ القرى » أربعين سنة بين تلك الأُمم الهمجية ، والفراعنة
الوحشية ، عبدة الأخشاب والأحجار الّذين لم يخضعوا لسلطة ، ولم يعرفوا شيئاً
من قواعد الإنسانية ، وآداب النظام المدنية ، ولم يكن في شيء من بلادهم الواسعة
مدرسة علم ولا مركز تربية « وما » كان « لوفد العلم فيه من قرى » وضيافة .
وذلك كناية عن غاية نفورهم من العلم وأهله ، بحيث لو قدم إليهم بعض أهل
المعرفة لم يكن له في بلادهم منزل ولا مأوى ، ولم يكن يضيفه أحد منهم لغاية
توحّشهم ، كوحوش الجبال النافرة عن مشاهدة البشر ، فضلا عن الاستئناس به أو
الاجتماع لديه ، كما قال تعالى : ( كأنّهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة ) ( 1 ) .
وكان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد نشأ بينهم يتيماً مستضعفاً في ظاهر حاله ، قليل النفقة في ماله ،
مشتغلا برعي الأغنام ، ومنعزلا بنفسه عن كافّة الأنام في بطون الجبال المظلمة ،
والزوايا المهولة المعتمة .
هامش
( 1 ) المدّثر : 50 .