شرح
سبحانه : ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلماً لرجل ) ( 1 )
إلى آخره .
أو تقريعاً لتارك العمل بعلمه في تشبيهه بالحمار الحامل للكتب العلمية ، كقوله
جلّ وعلا : ( مثل الّذين حمّلوا التوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً ) ( 2 ) .
أو ذمّاً للكفّار في تشبيههم بالأعمى والأصم ، ومدحاً للمؤمنين في تشبيههم
بالبصير والسميع . كقوله عزّ من قائل : ( مثل الفريقين كالأعمى والأصمّ والبصير
والسميع . . . الخ ) ( 3 ) إلى غير ذلك من تمثيلات « عديمة المثيل » في التطابق
للممثل « و » فاقدة « المثال » في حسن التعبير والبلاغة .
فانظر إلى قوله تعالى : ( ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ
قسوة ) ( 4 ) .
وحسن تشبيه قلوب اليهود بالحجارة القاسية الصلبة الّتي لا ينبت فيها شيء
من الزرع بنزول الأمطار عليها ثمّ لا تلين إلاّ بالنار ومقامع الحديد ، فكذلك تلك
القلوب ؛ فإنّه لا ينبت فيها شيء من الخوف ، وسائر ما يستفاد منه للآخرة ، ولا تتأثر
بنزول أمطار الرحمة عليها من المواعظ والآيات والزواجر والمعجزات . وكذا
لا تلين إلاّ بنار يوم القيامة ومقامع الحديد فيها .
وهكذا تشبيهه تعالى لمن يكفر بعد إيمانه بنار يذهب نورها بعد الإضاءة في
قوله سبحانه : ( مثلهم كمثل الّذي استوقد ناراً فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله
بنورهم . . . ) إلخ ( 5 ) .
فإنّ وجوه حسن التشبيه المذكور فيه باعتبار تشبيه الإيمان بالنور المضيء
المتفرّع من النار ، وتشبيه الكفر بعده بالظلمة المستندة إلى خمودها المذهب
إضائتها مع بقاء حرارتها المحرقة لظاهرة .
ومعنى ذلك : أنّ من كفر بعد إيمانه ذهبت أتعابه أيّام إيمانه سدى بتبديل ذلك
هامش
( 1 ) الزمر : 29 . .
( 2 ) الجمعة : 5 . .
( 3 ) هود : 24 .
( 4 و 5 ) البقرة : 74 و 17 .