شرح
ثمّ صوغ الكلام بصيغة المجهول بقوله تعالى : ( وقيل ) فيه تعظيم وتفخيم له
تعالى ، وإشارة إلى أنّه سبحانه يجلّ عن توجيه خطابه نحو تلك الجمادات على عظم
شأنها لديه ، ولذلك نسب القول إلى مجهول من مماليكه المسخّرين بأمره . فكان ما
كان من سرعة إطاعة المأمور ، فكيف لو صدر الأمر الأعلى من نفسه المقدّسة .
ثمّ أخبر تعالى عن نفوذ إرادته في الجمادين بقوله عزّ من قائل : ( وغيض
الماء وقضي الأمر ) ( 1 ) بصيغة المجهول أيضاً .
وفيه تلويح إلى سرعة ذلك عقيب الأمر فورياً ، مع الإشارة إلى كون الأمر
سبباً وحيداً لذلك ، وفيه أيضاً شمّة من التهديد للعصاة .
ثمّ ترى حسن تقابل المعنيين في ابلعي واقلعي ؛ فإنّها على اشتراكهما في النهي
عمّا كان الجمادان عليه من النبع والإمطار مختلفان في المفاد ، فإنّ الأمر على
السماء لم يكن إلاّ بالإقلاع بمعنى الإمساك فقط ، دون الاسترجاع لما أمطرته .
وذلك بخلاف الأمر على الأرض فإنّ المستفاد منه كلا الأمرين ، وهما
الإمساك ثمّ الاسترجاع لما نبعته .
ثمّ ترى أيضاً ما فيها من حُسن الإتيان بكلُّ جملتين منها على نهج واحد ،
فكان الأوّليان منها وهما ابلعي وأقلعي أمرين وخطابين مع إفراد ضمير الخطاب .
ثمّ تأنيثه لكلّ منهما ؛ تحقيراً لهما بالإضافة إلى عظمة الآمر مع ما فيهما من
حسن السجع ولطف الجناس ؛ لكونهما متقاربين في الوزن والحروف .
وكانت الأخيرتان خبرين ومتقاربتين أيضاً في اللفظ والمعنى والوزن .
ثمّ أتبع كلّ ذلك بالبشارة بسلامة السفينة ومن فيها بقوله تعالى : ( واستوت
على الجودي ) ( 2 ) .
ثمّ عقّبه أيضاً بخبر هلاك الظالمين بقوله سبحانه : ( وقيل بعداً للقوم الظالمين ) ( 3 ) .
وفيهما أيضاً من التبشير للمطيع ، والتهديد للعصاة ما لا يخفى .
إلى غير ذلك من وجوه الحسن واللطافة الموجودة فيها ممّا لا يسعه المقام ،
هامش
( 1 - 3 ) هود : 44 .