حوى من البديع ما قد بلغا * نيفاً وعشرين فأعيى البلغا
شرح
فراجع في ذلك ما أثبته ( * ) الرواة الثقاة ، وما أرّخه المؤرّخون الكفاة من قصورهم
عن المعارضة ، واعترافهم بالعجز عنها بعد بذلهم الجهود العظيمة ، واستعانة بعضهم
ببعض في ذلك .
ولو تأمّلت بعين البصيرة والإنصاف في نفس هذه الآية الواحدة ؛ لوجدتها
عبرة ومعجزة عظيمة ، تكفي عن ذكر غيرها ؛ فإنّها « حوت من البديع » في العبارة
« ما قد بلغا » من وجوه الحسن والبلاغة « نيفاً وعشرين » على ما عدّه أهل الفنّ
على قدر إدراكهم وعقولهم .
« فأعيى البلغا » وأعجزهم عن الإتيان بمثلها .
فإنّك تراها قد خرجت مخرج الأمر على الجمادين ، وهما الأرض والسماء ؛
ليكون أدلّ على القدرة ، وأثبت لنفوذ الحكم والمشيئة . فإنّ من نفذت مشيئته في
الجمادات كانت المشيئة منه في غيرها أنفذ .
هامش
( * ) فقد صحّ أنّ جمعاً منهم قد همّوا لذلك ، وعكفوا أربعين يوماً على لباب البرّ ولحوم
الضأن وسلاف الخمر ، وحصروا طعامهم وشرابهم بها لتصفو أذهانهم طمعاً في معارضته
بإبداع عبارة تشبهه ، ثمّ اجتمعوا ليتشاوروا بينهم في إنشاء ذلك ، فبلغهم نزول الآية الشريفة ،
فدهشوا بسماعها ، وانصرفوا عمّا همّوا به ، وتفرّقوا وهم يقولون : هذا كلام ليس مثله كلام ،
ولا يشبه كلام المخلوقين .
وأيضاً سمع الوليد بن المغيرة - وهو بينهم يومئذ حكم عدل في تميّز مراتب الفصاحة
والبلاغة - قوله تعالى : ( إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء
والمنكر والبغي ) فحار عجباً ودهشةً ، وأخذ يحدّ النظر عبرة وفكرة ، وهو يقول : والله إنّ له
لحلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وأسفله لمغدق إلى آخره ، وسمع الأصمعي كلام جارية ، فأعجبه منطقها
وقال لها : قاتلك الله ما أفصحك فقالت : ويلك أو يعدّ هذا فصاحة بعد قوله : ( وأوحينا إلى أُمّ
موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ولا تخافي ولا تحزني إنّا رادّوه إليك وجاعلوه
من المرسلين ) وقد أتى فيه على اختصاره بأمرين ونهيين ، وخبرين وبشارتين ، إلى غير ذلك
ممّا لا يسعه المقام ( منه عفي عنه ) .