فهو كما أُسلوبه به نطق * وحي من الحقّ على نبيّ حقّ
حوى من البديع والبيان * ما خرجت عن طاقة الإنسان
يخرس من إبداع يا أرض ابلعي * كلّ خطيب في البيان مصقع
شرح
المتقنة ، وقصصه النافعة . مع ما اختصّ به من خفّته على اللسان ، وسهولة حفظه عن
ظهر القلب ، وقراءته لأرباب اللغات المختلفة في القرون المتمادية ، والأعصار
المتعاقبة ، والأقطار الواسعة المتشتّتة .
وقد تكفّل مُنزله تعالى بحفظه عن الزيادة والنقصان ، والتغيير والتحريف ،
بقوله سبحانه : ( إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) ( 1 ) .
« فهو كما أُسلوبه به نطق » أي شهد به فنّه لأهل الفنّ والبصيرة « وحي » نزل
« من » الربّ « الحقّ على نبيّ حقّ » صادق .
وإنّما يشهد بذلك ما « حوى من البديع » الّذي لا يُقاس به كتاب ، ولا يشبه
بيانه كلام ولا بيان .
« و » إنّ أصناف « البيان » البليغ الّذي فيه « ما » تراه « خرجت عن طاقة
الإنسان » في كثرة وجوه إعجازه ، وتعدّد معانيه وإشاراته ورموزه واستعاراته
على ما فيه من وجازة اللفظ ، واختصار العبارة .
فترى كيف « يخرس من إبداع » مثل قوله سبحانه : ( « يا أرض ابلعي » ماءك
ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم
الظالمين ) ( 2 ) .
فقد خضع له « كلّ خطيب في البيان مصقع » وهو من بلغ الغاية في الفصاحة
والبلاغة .
كيف لا ؟ ! وقد اعترف بالعجز عن معارضته في جزيرة العرب وجوه
فصحائهم ، وأكابر بلغائهم . وقد كانت الفصاحة صنعتهم ، وبها مباهاتهم ومفاخرتهم .
هامش
( 1 ) الحجر : 9 .
( 2 ) هود : 44 .