شرح
بالعجز عن البلوغ إلى أقصى المراد ، مذعنين بالقصور عن فهم حقائق ما أفادوا ،
لم يزالوا من الإعجاب به في ازدياد خاضعين لقوله سبحانه : ( إنّ هذا لرزقنا ماله
من نفاد ) ( 1 ) .
وبالجملة إنّ هذا الكتاب الكريم لهو من المعاجز المتجدّدة شيئاً فشيئاً ،
والغرائب المعجبة الحادثة يوماً فيوماً . وكم فيه من دواعي التلاوة والتكرار
ومرغّبات لقراءته أو استماعه في الليل والنهار من هشاشة مخرجه ، وبهجة رونقه ،
وسلاسة نظمه ، وحسن قبوله ، وغير ذلك من خصائصه .
وإنّك تراه في سورة قصيرة ينتقل القارئ فيه من وعد إلى وعيد ، ومن
القصص إلى المثل ، ومن الحكم إلى الجدل .
وأمثال ذلك ممّا لم يوجد شيء منه في الكتب السماوية السابقة ، فضلا عن
غيرها .
فإنّ منها : التوراة العبرانية ، الممدوحة في القرآن الكريم ، بقوله تعالى : ( وأنزل
التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس ) ( 2 ) ( وعندهم التوراة فيها حكم الله ) ( 3 )
( وفي نسختها هدى ورحمة ) ( 4 ) ( فيها هدى ونور ) ( 5 ) وهي على علوّ شأنها
مقصورة على أسفار خمسة : سفر لبدء الخلق ، وسفر لخروج بني إسرائيل من مصر ،
وسفر لأمر التوّابين ، وسفر لإحياء بني إسرائيل ، وسفر لتكرّر النواميس .
ثمّ حرّفتها اليهود وجعلوها قراطيس يبدونها ، ويخفون كثيراً منها .
وإنّ أفضل ما فيها هو الكلمات العشر الّتي خوطب بها الكليم ( عليه السلام ) وبها
يستخلفون . وليس في جميع أسفارها عشر معشار ما في القرآن الحكيم من المواعظ
وبيان مكارم الأخلاق ومحامد الصفات . ولا شيء من الوعيد والوعد وأحوال
القيامة والبعث والنشور والجنّة والنار ولا غير ذلك من مغيباته ومحسّناته .
هامش
( 1 ) سورة ص : 54 .
( 2 ) آل عمران : 3 و 4 .
( 3 و 5 ) المائدة : 43 و 44 .
( 4 ) الأعراف : 154 .