شرح
وذلك مضافاً إلى ما فيه من الاعتدال في آياته الّتي ليست بنظم ولا نثر
ولا رجز ولا شعر ولا خطب ولا سجع ، وما فيه أيضاً من الحجج القاطعة ،
والبراهين الساطعة على وجود الصانع تعالى ووحدانيته ، وأوصافه المقدّسة ،
والحشر والنشر ، وسائر وقائع يوم القيامة .
وكذا ما فيه من الأدلّة على نبوّة النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كآيات التحدّي وما
حواه من وقائع القرون السالفة . كقصّة أصحاب الكهف ، وذي القرنين ، وموسى ( عليه السلام )
والخضر ( عليه السلام ) وأمثالها ممّا لم يكن يعرفها إلاّ الخواصّ من أحبار اليهود .
وما اشتمل عليه أيضاً من الأخبار بالحوادث المستقبلة ، والأُمور المغيبة ،
كغلبة الروم على الفرس ، وعدم تمنّي اليهود للموت ونظائرهما . والإخبار عن
ضمائر بعض المنافقين من الصحابة .
وكذا ما اشتمل عليه من أسرار العلوم وأنواع المعارف ، وجوامع الكلم ، ولوامع
الحكم الّتي قصرت الأوهام عن الإحاطة بها ، وكلّت الأفهام عن إدراك حقائقها .
فمهما تغلغل الأديب البارع في رياض فنونها ، وتعمّق في بحار نكاتها
ودقائقها ، انفتح له باب المعرفة بما لم يكن يعرفه قبل ذلك من المسالك الموصلة
إلى مقفلاتها ، والمدارك الكاشفة له عن جُمل مشكلاتها ، وظهرت له معالم أدرك بها
ما كان قد خفي عليه من رشحات سائلة من عيون خزائنها ، ولاحت له لوائح من
معرفة الشدائد من صعابها .
وعندئذ يستخرج بغوّاص عقله على قدر غوره وفهمه شيئاً يسيراً من جواهر
بحورها ، ويقتبس بالزناد القادح من فكره جزءً قليلا من ضوء أنوارها .
وإنّ ذلك كلّه أُمور لا يعرفها إلاّ الكمّل من العلماء الراسخين في العلم
والمعرفة ، والمعظم من أهل الفنّ والدراية .
وتراهم بعد الدقّة الكاملة ، والتفكّرات العميقة في أسراره ومغازيه ، معترفين