فاستوجبوا بعلمه التبجيلا * واستأهلوا عطاءه الجميلا
فزادهم بلطفه التوفيقا * حتّى غدوا بعهده حقيقا
فاختارهم لنفسه وأرسلا * من شاء منهم للبرايا رسلا
شرح
المفرط في حبّ مولاه ، والحريص على أداء حقّ منعمه إذا عجز عن ذلك حصل له
الخجل والحياء وحينئذ يرى نفسه مقصّراً ، ويقوم معتذراً ، وإن كان عدم قيامه بتمام
الوظيفة ناشئاً عن وجود المانع ، وهو العجز والقصور ، لا التواني والتقصير .
ويتّضح ذلك بالمثال ، فإنّه لو فرض قدوم سلطان عظيم على عبد مشلول له لا
يمكنه القيام احتراماً له أصلا ، فتراه على ما هو عليه من الشلل والعجز كيف
يستغرق في عرق الحياء والخجل من عدم قيامه لسيّده ، ويعتذر إليه من ذلك .
ولعلّ هذا هو المراد من قولهم " حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين " ( 1 ) .
وكيف كان فلا شبهة ولا خلاف من أهل الحقّ في عصمة الأنبياء ( عليهم السلام )
جميعهم بحسن اختيارهم « فاستوجبوا بعلمه » سبحانه فيهم نزاهة البواطن ،
وصفاء السرائر « التبجيلا » والتكريما « واستأهلوا عطاءه الجميلا » وجزاءه
الجزيلا ، دنياً وآخرةً .
ثمّ مَنَّ عليهم أيضاً في الدنيا بعد علمه تعالى بحسن سرائرهم « فزادهم بلطفه
التوفيقا » وأعانهم على القيام بوظائف العبودية والجدّ التامّ في الطاعة ، وبذل
الجهد البليغ في العبادة « حتّى غدوا » وأصبحوا لائقين « بعهده » و « حقيقاً »
لرسالته « فاختارهم لنفسه » المقدّسة أنبياء « وأرسلا من شاء منهم للبرايا رسلا » .
فكان بعضهم ( عليهم السلام ) مرسلا إلى جميع الخلق ، كالخمسة الطاهرين أُولي العزم
والكتاب والشريعة ، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ( عليهم السلام ) ومحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
وبذلك سمّوا رسلا .
وكان الآخرون منهم أنبياء على بعض البرايا وبعض الأقطار دون البعض الآخر
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي 1 : 309 وج 11 : 255 ، تفسير ابن كثير 4 : 34 ، تفسير الجلالين : 15 و 18 .