وليست العصمة في الأطهار * مخرجة عن حدّ الاختيار
فالذنب منهم باختيار لم يقع * إطاعة ولم يكن ممّا امتنع
فهم على حسن اختيار سبقوا * في علمه وأنّهم لم يفسقوا
ولم تمل أنفسهم إلاّ إلى * ما كان يرضي الله جلّ وعلا
منهمكين في مراضيه على * درية لم يجزعوا من البلا
شرح
كان المعتزلي العاري عن إدراك القبائح لا يرى بذلك بأساً ، حتّى أنّ خطيبهم يحمد
ربّه في مقدّمة شرحه على نهج البلاغة على تقديمه المفضول على الفاضل ، مُشيراً
إلى تقدّم الثلاثة على وليّهم وإمامهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . وقد نسب ذلك إلى فعل
الربّ تعالى ، مع أنّه مساوق لنسبة السفه إليه تعالى ، وتعالى ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً .
ثمّ اعلم أنّ امتناع المعصومين ( عليهم السلام ) عن القبائح والسيّئات لم يكن عن جبر
لهم ولا عن عجز منهم « و » أنّه « ليست العصمة في الأطهار » قاهرة لهم ، ولا
« مخرجة » إيّاهم « عن حدّ الاختيار » .
فلا يتوهّم فيهم الإكراه على الطاعة ، أو الاجتناب عن المعصية ، وإلاّ لبطل
الأجر والثواب ، ولم يكن لهم فخر بها ولا حسن المآب على ما تقدّم بيانه ، بل فيه
أيضاً مظنّة صدور العبث منه تعالى في تخصيصها بهم دون غيرهم لولا
المرجّحات ، وربّنا يجلّ عن كلّ ذلك .
وعليه « فالذنب منهم باختيار لم يقع » مع قدرتهم كسائر الناس على ارتكابه ،
ولكنّهم امتنعوا عنه « إطاعة » لسيّدهم الخالق لهم . « ولم يكن » ارتكابه « ممّا
امتنع » قهراً عليهم .
« فهم على حسن اختيار » منهم « سبقوا » أزلا « في علمه » القديم ، بمعنى أنّه
تعالى علم في الأزل نزاهتهم عن كلّ سوء وقبيح « وأنّهم لم يفسقوا » ولا يخالفون
شيئاً من أوامر ربّهم قبل بعثتهم ، ولا بعدها « ولم تَمِل أنفسهم إلاّ إلى » طاعته
وكلّ « ما كان يرضي الله جلّ وعلا » وأنّهم ( عليهم السلام ) كانوا في علمه تعالى مجدّين