منهمكين في مراضيه على * درية لم يجزعوا من البلا
شرح
« منهمكين في » تحصيل « مراضيه على » علم قطعي ويقين « درية » أي دراية
كالوجدان ، لا يقين رواية تحتاج إلى البرهان ، فكأنّهم ( عليهم السلام ) كانوا مشاهدين
لجزاء الآخرة عياناً ، كما إليه الإشارة في كلام مولى الموالي أمير المؤمنين سلام الله
عليه : " لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " ( 1 ) .
ولذلك احتملوا مكاره الدهر بحسن اختيارهم ، وصبروا على ما أصابهم منها
سبّاً وإهانة ، وقتلا وضرباً ، وحبساً وتبعيداً ، ونهباً وسبياً ؛ ابتغاء مرضاته تعالى وما
وعدهم به ، ولم يشتكوا أصلا من عظيم المصائب ، و « لم يجزعوا من البلا » .
ثمّ إذ قد تبيّن لك معنى العصمة ، وكونها أمراً باطنياً لا يعلمها إلاّ علاّم الغيوب .
وعرفت وجوبها في خلفائه تعالى المنصوبين من قبله هُداة للخلق ، سواء كانوا
أنبياء أم أولياء ، أو أنّه لابدّ منها فيهم ( عليهم السلام ) بضرورة حكم العقل والنقل ، انقدح لك
وجوب التأويل في ظواهر الآيات المستفاد منها خلاف ذلك ، وإن لم يكن ورد
فيها من الشرع شيء ، فكيف وقد ورد منه فيها تأويلات مقبولة ليس هنا محلّ
ذكرها ، فراجع فيها كتب تفاسير الفرقة المحقّة الإمامية ( قدس سرهم ) ، وما ذكر فيها وفي
أمثالها من أحاديث المعصومين من الأئمّة ( عليهم السلام ) .
كما لابدّ أيضاً من وجوب التأويل في المأثور من دعوات أُولئك
الأطهار ( عليهم السلام ) في مناجاتهم لربّهم تعالى ، الحاوية لاعترافاتهم على أنفسهم الزكية
بارتكاب المعاصي وفعل القبائح حيث إنّ ذلك لا يجامع العلم القطعي بعصمتهم
وطهارتهم من كلّ سوء ومعصية .
وقد ذكروا لها أيضاً تأويلات قريبة مقبولة :
ولعلّ أقربها ما قيل من أنّهم ( عليهم السلام ) كانوا يرون قصورهم عن أداء حقوق
سيّدهم ، وعجزهم عن القيام بوظائف عبوديتهم له تعالى سيّئة ومعصية ؛ فإنّ العبد
هامش
( 1 ) مناقب ابن شهرآشوب 2 : 38 ، البحار 40 : 153 و 46 : 125 .