تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
ولا يسدّ باب لطف الباري * تخلّف العبد بالاختيار
شرح
التكليف لطف ، وليس معناه إلاّ التعريض للطاعة ، واجتناب المعصية « و » أنّه « لا يسدّ باب لطف الباري » وإتمامه الحجّة بجعل التكليف « تخلّف العبد » عن إطاعته « بالاختيار » السوء فإنّ التكليف كما عرفت إنّما يدلّ على الإرادة التشريعية ، وهي لا تمنع الاختيار ، بل تؤكّده إلاّ على مذهب الجبر . فاعتراف الرجل بعدم وقوع القهر في أفعال العباد إقرار منه بفساد مذهب الجبر ، لا أنّه مُبطل لدعوى وقوع اللطف . نعم إنّه تعالى لو أراد المنع القهري عن المعاصي ، أو الجبر على الطاعة بالإرادة التكوينية القاهرة ؛ لما أمكن التخلّف عن إرادته على ما تقدّم بيانه . ولكنّه لم يقع منه تعالى ذلك ، بل إنّه ممتنع صدوره منه ؛ لما عرفت من قبحه ومحاذيره . وقد دلّت على ذلك أيضاً كلمة ( لو ) الدالّة على الامتناع في قوله سبحانه : ( ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعاً ) ( 1 ) ثمّ عقّب ذلك بما يشبه العتاب على نبيّه الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على إرادته الإكراه بقوله عزّ من قائل : ( أفأنت تكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين ) ( 2 ) . وبمضمونه آيات كثيرة دالّة على امتناع الإكراه منه تعالى للعباد في طاعاتهم أو معاصيهم كقوله جلّ وعلا : ( لا إكراه في الدين ) ( 3 ) ( اعملوا ما شئتم ) ( 4 ) ( ذرهم في خوضهم يلعبون ) ( 5 ) إلى غير ذلك ممّا تقدّمت الإشارة إلى بعضها . وثانياً : أنّ ما لفّقه من كون الوعد والوعيد تعريضاً للمعصية ، ومنافياً لحُسن اللطف ليس إلاّ خلطاً وسفسطة . أمّا في الوعيد ؛ فلأنّ الموعود جزماً بالعذاب لا يخلو من أن يكون مكذّباً لذلك ، أو مصدّقاً به . أمّا المكذّب فواضح أنّه لا يعبأ بذلك ، ولا يؤثّر الوعيد فيه شيئاً حتّى يترتّب
هامش
( 1 و 2 ) يونس : 99 . . ( 3 ) البقرة : 256 . . ( 4 ) فصّلت : 40 . ( 5 ) الأنعام : 91 .