ولا يسدّ باب لطف الباري * تخلّف العبد بالاختيار
شرح
التكليف لطف ، وليس معناه إلاّ التعريض للطاعة ، واجتناب المعصية « و » أنّه
« لا يسدّ باب لطف الباري » وإتمامه الحجّة بجعل التكليف « تخلّف العبد » عن
إطاعته « بالاختيار » السوء فإنّ التكليف كما عرفت إنّما يدلّ على الإرادة
التشريعية ، وهي لا تمنع الاختيار ، بل تؤكّده إلاّ على مذهب الجبر .
فاعتراف الرجل بعدم وقوع القهر في أفعال العباد إقرار منه بفساد مذهب
الجبر ، لا أنّه مُبطل لدعوى وقوع اللطف .
نعم إنّه تعالى لو أراد المنع القهري عن المعاصي ، أو الجبر على الطاعة
بالإرادة التكوينية القاهرة ؛ لما أمكن التخلّف عن إرادته على ما تقدّم بيانه . ولكنّه
لم يقع منه تعالى ذلك ، بل إنّه ممتنع صدوره منه ؛ لما عرفت من قبحه ومحاذيره .
وقد دلّت على ذلك أيضاً كلمة ( لو ) الدالّة على الامتناع في قوله سبحانه :
( ولو شاء ربّك لآمن من في الأرض كلّهم جميعاً ) ( 1 ) ثمّ عقّب ذلك بما يشبه
العتاب على نبيّه الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على إرادته الإكراه بقوله عزّ من قائل : ( أفأنت
تكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين ) ( 2 ) .
وبمضمونه آيات كثيرة دالّة على امتناع الإكراه منه تعالى للعباد في طاعاتهم
أو معاصيهم كقوله جلّ وعلا : ( لا إكراه في الدين ) ( 3 ) ( اعملوا ما شئتم ) ( 4 )
( ذرهم في خوضهم يلعبون ) ( 5 ) إلى غير ذلك ممّا تقدّمت الإشارة إلى بعضها .
وثانياً : أنّ ما لفّقه من كون الوعد والوعيد تعريضاً للمعصية ، ومنافياً لحُسن
اللطف ليس إلاّ خلطاً وسفسطة .
أمّا في الوعيد ؛ فلأنّ الموعود جزماً بالعذاب لا يخلو من أن يكون مكذّباً
لذلك ، أو مصدّقاً به .
أمّا المكذّب فواضح أنّه لا يعبأ بذلك ، ولا يؤثّر الوعيد فيه شيئاً حتّى يترتّب
هامش
( 1 و 2 ) يونس : 99 . .
( 3 ) البقرة : 256 . .
( 4 ) فصّلت : 40 .
( 5 ) الأنعام : 91 .