شرح
وهي الّتي بها تتمّ عليه الحجّة ولا يصحّ عقلا تكليفه إلاّ بعد حصولها بأجمعها له
واجتماعها فيه - فليس ذلك أمر زائد على ما سبق ، ويكفي في وجوبه ما أشرنا إليه
من أدلّة العقل والنقل كتاباً وسنّةً ، وما بيّناه من إجماع العقلاء كافّة على ذلك ما عدا
الأشعري البعيد عنهم .
وبه يستدرك ما استدلّ به في المقام من نقض الغرض .
ويتفرّع على ذلك استدراك التقسيم المذكور .
وإن كان غير ذلك فلا نسلّم وجوب شيء عليه تعالى بعد هدايته العامّة لجميع
البشر بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وموهبة العقل الحاكم بوجوب شكر المنعم ،
ووجوب إطاعة المولى المالك رقّ العبد .
وقد عرفت أنّ ذلك كلّه هو المسمّى بإراءة الطريق الّتي قد تكفّل بها الربّ
سبحانه بقوله جلّ وعلا : ( إنّ علينا للهدى ) ( 1 ) .
وهي الّتي وجبت عليه بمقتضى وعده وكفالته ، وبحكم العقل .
دون المعنى الآخر للهداية ، وهو الإيصال إلى المطلوب .
فقد عرفت أنّ ذلك فضل زائد منه جلّ وعلا ، خصّ به بعض عباده من غير
وجوب عليه عقلا أو نقلا ، فضلا عن اللطف الزائد على ذلك ، فتأمّل جيّداً .
هذا مع أنّ الملاطفة المدّعى وجوبها إن كانت بمعنى إيجاد كلّ ما يوجب رغبة
العباد في الإيمان والطاعة ، لزم القول أيضاً بوجوب تخصيص المطيع منهم في
الدنيا بكلّ ما يستجلب ميل الناس ورغبتهم في الطاعة بجميع محسّنات الخلقة
والمعيشة فيه ، كصباحة المنظر ، والسعة ، والدعة ، والعافية ، وطول العمر ، والهيبة ،
وأمثالها ، ممّا يرغّبهم إلى الله تعالى ، ويقرّبهم إلى طاعته .
وفساد ذلك واضح ؛ لاستلزامه نسبة القبيح - وهو الإخلال بالواجب - إليه
سبحانه .
هامش
( 1 ) الليل : 12 .