تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
شرح
وهي الّتي بها تتمّ عليه الحجّة ولا يصحّ عقلا تكليفه إلاّ بعد حصولها بأجمعها له واجتماعها فيه - فليس ذلك أمر زائد على ما سبق ، ويكفي في وجوبه ما أشرنا إليه من أدلّة العقل والنقل كتاباً وسنّةً ، وما بيّناه من إجماع العقلاء كافّة على ذلك ما عدا الأشعري البعيد عنهم . وبه يستدرك ما استدلّ به في المقام من نقض الغرض . ويتفرّع على ذلك استدراك التقسيم المذكور . وإن كان غير ذلك فلا نسلّم وجوب شيء عليه تعالى بعد هدايته العامّة لجميع البشر بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وموهبة العقل الحاكم بوجوب شكر المنعم ، ووجوب إطاعة المولى المالك رقّ العبد . وقد عرفت أنّ ذلك كلّه هو المسمّى بإراءة الطريق الّتي قد تكفّل بها الربّ سبحانه بقوله جلّ وعلا : ( إنّ علينا للهدى ) ( 1 ) . وهي الّتي وجبت عليه بمقتضى وعده وكفالته ، وبحكم العقل . دون المعنى الآخر للهداية ، وهو الإيصال إلى المطلوب . فقد عرفت أنّ ذلك فضل زائد منه جلّ وعلا ، خصّ به بعض عباده من غير وجوب عليه عقلا أو نقلا ، فضلا عن اللطف الزائد على ذلك ، فتأمّل جيّداً . هذا مع أنّ الملاطفة المدّعى وجوبها إن كانت بمعنى إيجاد كلّ ما يوجب رغبة العباد في الإيمان والطاعة ، لزم القول أيضاً بوجوب تخصيص المطيع منهم في الدنيا بكلّ ما يستجلب ميل الناس ورغبتهم في الطاعة بجميع محسّنات الخلقة والمعيشة فيه ، كصباحة المنظر ، والسعة ، والدعة ، والعافية ، وطول العمر ، والهيبة ، وأمثالها ، ممّا يرغّبهم إلى الله تعالى ، ويقرّبهم إلى طاعته . وفساد ذلك واضح ؛ لاستلزامه نسبة القبيح - وهو الإخلال بالواجب - إليه سبحانه .
هامش
( 1 ) الليل : 12 .