شرح
ما نطق به الكتاب والسنّة وسائل لعلوّ شأنهم ، وارتفاع درجاتهم بالصبر عليها والرضا
بها ؛ ابتغاء مرضاته تعالى وبذلك سادوا الورى ، وصار تسليمهم لأعظم بليّة تنزل
بهم بحسن اختيارهم مع قدرتهم بإذن ربّهم على دفعها عن أنفسهم الزكية بشجاعتهم ،
أو بدعائهم ومعجزتهم ؛ سلوة للمصابين من بعدهم ، أو أُسوة لمن يتأسّ بهم .
وبذلك عرف الناس علوّ مقامهم ، وميزهم عن غيرهم بعظيم الزلفة ، وقبول الشفاعة .
وبذلك عرفوا أيضاً حدّ طغيان الظالمين وشدّة وقاحتهم ، وقساوة قلوبهم ، وخبث
سرائرهم ، وأنّ ذلك موجب للإعراض عنهم ، والتجنّب عن مثل قبائحهم ، وموجب
أيضاً لحنوّ الخلق وميلهم نحو أُولئك الأطهار المظلومين ؛ وذلك لما جبلّت عليه
طينة البشر من الرأفة بالمظلوم ، والرقّة عليه ، والميل نحوه . إلى غير ذلك من الحكم
الخفية الّتي اختصّ إدراكها بهم ( عليهم السلام ) .
وبذلك كانوا مبتهجين بنزول تلك البلايا عليهم ، راضين بها ، شاكرين عليها في
لبّ جوانحهم عن جدّ وحقيقة ، من غير جزع ولا شكاية ، كما ورد عن السبط
الشهيد بالطف وأصحابه ( عليهم السلام ) أنّه ( كلّما اشتدّ عليهم الأمر أشرقت ألوانهم ) ( 1 ) .
فصلوات الله عليهم أجمعين ، وهنيئاً لهم بما نالوا ، ثمّ هنيئاً ، ويا ليتنا كنّا معهم .
فيا للمسلمين ويا أُولي الألباب ، أين القبح في تلك الأُمور النازلة منه تعالى ،
وكيف يصحّ مذهب الأشعري القبيح ؟ ! فهلمّوا وأنصفوا ( وإنّ ربّك لبالمرصاد ) ( 2 ) .
المبحث الثامن
في اللطف
وقد فسّره المتكلّمون بأنّه ما يقرّب العبد إلى الطاعة ، ويبعّده عن المعصية من
غير كره ولا إجبار .
وذلك بعد تمامية الحجّة عليه ، وبلوغ الأحكام إليه ، واستكماله شرائط التكليف .
هامش
( 1 ) معاني الأخبار للصدوق : 288 ، تحف العقول : 53 ، بحار الأنوار 44 : 297 .
( 2 ) الفجر : 14 .