ما يوجب الأذى ويورث المحن * من الحكيم لم يكن إلاّ حسن
شرح
( وكتبنا عليهم فيها أنّ النفس بالنفس إلى آخره ) ( 1 ) ( فإن قاتلوكم فاقتلوهم ) ( 2 )
( السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) ( 3 ) ( الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما
إلى آخره ) ( 4 ) ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه إلى آخره ) ( 5 ) وأمثال ذلك ممّا ورد
في الشريعة المقدّسة . ولولا وجدانهم حسنها عقلا ونظاماً ، لما خضعوا لها وهم هم .
ثمّ نهض أيضاً ثالث القوم ، فاعترض على ما ذكرنا من براءة ساحة قدسه
تعالى عن صدور شرٍّ أو قبيح منه بما محصّله أنّه لا شبهة في قبح إيذاء النفس
المحترمة وقد صدر ذلك منه سبحانه فيما يشاهد كثيراً من إنزاله البلايا والمصائب
بعباده ، وخصوصاً بالصلحاء الطيّبين منهم كالأنبياء والأولياء ( عليهم السلام ) .
وقد ورد في الحديث : " كلّما زيد في إيمان المؤمن زيد في بلائه " ( 6 ) .
وإذ قد ثبت ذلك صدوراً منه تعالى بشهادة الوجدان ، وثبت قبحه بشهادة العرف
والعقلاء ، بل بشهادة الكتاب والسنّة والإجماع أيضاً ، فلا مانع من صدور أمثاله
ممّا يستقبحه العقل ، ولا في وقوعه منه سبحانه في النشأتين ، كعقاب المطيع ، وإثابة
العاصي مثلا . وعليه فلا وحشة في القول بكون التكليف قبيحاً ، ولا ملزم لإنكاره .
والجواب : كما في سابقه من منع القبح في كلّ « ما يوجب الأذى » في الجسم
بقول مطلق « و » في كلّ ما « يورث المحن » والهموم في القلب بنحو العموم ،
خصوصاً إذا كان ذلك « من الحكيم » على الإطلاق بعد التسالم على رأفته بعباده ،
وعلمه التامّ بأمراضهم وخبرويته الكاملة بما يصلحهم من الأدوية النافعة ؛ فإنّ
العقل في مثل ذلك يُرشدنا بالحكم القطعيّ إنّ إنزال تلك الأذايا والمحن من مثله
« لم يكن إلاّ » في مورد « حسن » إنزاله .
ولابدّ حينئذ من حصول العلم بالمصلحة الواقعية ولو تعبّداً من غير معرفتها ،
هامش
( 1 و 3 ) المائدة : 45 و 38 . .
( 2 و 5 ) البقرة : 191 و 194 .
( 4 ) النور : 2 .
( 6 ) الكافي : 254 ح 10 ، التمحيص : 31 ، تحف العقول : 408 .