شرح
الضرورة في قبح كثير من الأحكام الشرعية الّتي وردت في الحدود ، كالقصاص
من القاتل بالقتل ، وقطع يد السارق ، ورجم الزاني وأمثالها .
وادّعى الوجدان بكون كلّ ذلك ضرراً عاجلا في النشأتين عليهم .
والجواب : ما تقدّمت الإشارة إليه أيضاً من أنّ مجازاة الطاغي لا قبح فيها
لدى العقلاء أصلا ، بل ترك ذلك قبيح عندهم باعتبار اقتضائه زيادة طغيانه ، وشدّة
اجترائه على عمله القبيح .
ثمّ اجتراء غيره أيضاً على مثل ذلك .
فليس في تلك الحدود إلاّ محض الحسن وخالص العدل ، بشهادة عمل العقلاء
من أُمراء الناس وأولياء الأُمم ، وسيرة زعماء الفرق خلفاً عن سلف ، وجيلا بعد جيل .
ولا يرتاب في حسنها إلاّ السفهاء فاقدي العقل والشعور ؛ لوضوح أنّ فيها
ردع لأصحاب القبائح ، وتعريض لندامتهم عنها ، وتوبتهم عن تكرارها .
كما أنّ فيها أيضاً تحذير غيرهم عن ارتكاب مثلها .
وذلك بعد التسالم على كون تركها والاجتناب عنها خير محض في العاجلة
والآجلة أوضح واضح .
ثمّ بعد الغضّ عن ذلك ، وتسليم كون الحدود ممحّضة في الشرّ قد عرفت
الجواب عن ذلك أيضاً بأنّها لم تكن إلاّ مسبّبة عن ارتكابهم القبائح بسوء
اختيارهم ، وليس التكليف إلاّ تعريضاً صرفاً للطاعة ، وتحصيل الأجر والمثوبة
بالفعل الاختياري من دون كره ولا إجبار ولا زوال الاختيار فالقبح ثابت على
مذهب الجبر وهو الممحّض في القبح ، فتأمّل جيّداً .
ويشهد أيضاً لما ذكرنا من حُسن التكليف ما تراه من خضوع العرب العرباء ،
وعقلاء الفرق والأحزاب لما ورد في محكمات الكتاب من الحدود والعقاب
لمرتكبي الجرائم العظام ، نحو قوله جلّ وعلا : ( ولكم في القصاص حياة ) ( 1 )
هامش
( 1 ) البقرة : 179 .