من مأكل وملبس ومسكن * ونحوها فالنوع طبعاً مدني
وما قضت به جبلّة البشر * من اختلاف الرغبات والنظر
بما حوت من اختلاف الحال * من موجبات النقص والكمال
مفض إلى الجدال والنزاع * وموجب لوهن الاجتماع
ولا يتمّ النظم فيهم إلاّ * بأن يسنّ ما يُعدّ عدلا
شرح
« لجلب مالهم من » لوازم الحياة ، و « المقاصد » الدنيوية « من مأكل وملبس
ومسكن » ومنكح « ونحوها » ممّا لا يستغنى عنه في المعيشة وإبقاء النسل والذرّية .
ومن الواضح الضروري عدم إمكان قيام كلّ منهم منفرداً بجميع لوازمه ،
وتدبير ضرورياته . وأنّه لابدّ له من الاستعانة بغيره .
« فالنوع » البشري « طبعاً مدني » بجبلّته وطينته مدّة حياته ، على عكس
البهائم الغنية عن كثير منها بالحكمة البالغة .
« و » من الواضح أيضاً أنّ « ما قضت » وحكمت « به جبلّة البشر » وطينتهم
الأصلية « من اختلاف الرغبات » في شهواتهم ، ثمّ اختلافهم في الرأي « والنظر »
مع ما هم عليه من تغاير الأخلاق . وذلك « بما حوت » نفوسهم « من اختلاف الحال »
والصفات ليناً وحدّةً وذكاءً وغباوةً إلى غير ذلك « من موجبات النقص والكمال » .
كلّ ذلك « مفض إلى » وقوع « الجدال والنزاع » بينهم ، « وموجب لوهن
الاجتماع » الّذي لابدّ لهم منه في أمر معاشهم ومعادهم ، وعدمه سبب لافتراقهم
الّذي به تنفصم عروة انتظامهم .
وعليه فلا يمكن جمع شملهم « ولا يتمّ النظم فيهم إلاّ بأن يسنّ » ويجعل لهم
من القوانين « ما يعدّ » حكماً « عدلا » يرجعون إليه في عامّة قضاياهم ، وكافّة
خصوماتهم ، في تجاراتهم ومناكحهم ومواريثهم وغيرها في الأعصار المتمادية ،
والأقطار المتشتّتة ، مع ما بينهم من العلاقات الكثيرة ، والمشارب المختلفة ،
والطبائع المتباينة الّتي لا يحيط بها فكر ، ولا يحصيها وهم ولا خيال .